هذا ولنقدم أمام المقصود شيئًا من مدح هذا الفن ليزداد فيه طالبه رغبة ونبذة من مناقب مؤلف هذا الكتاب فأقول وبالله التوفيق:
من المقدمات المقررة في الأذهان، والقضايا المسلمة المتلقاة بالقبول والإذعان، الظاهرة ظهور الشمس للعيان، المؤيدة بالدليل القاطع والبرهان، شرف علم الحديث وأصحابه، والإسناد وأربابه، فقد ورد فيه أخبار كثيرة، وآثار شهيرة، فمن ذلك حديث أسامة بن زيد وإن كان ضعيفًا لكن ورد من طرق متعددة يتقوى بعضها ببعض فيرتقي إلى رتبة الحسن لغيره جزم بذلك العلائي، كما في القسطلاني، وهو: (( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ) )رواه من الصحابة علي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وجابر بن سَمُرة ومعاذ وأبو أمامة وأبو هريرة.
ففيه تخصيص جملة السنة بهذه المنقبة العلية، وتعظيم لهذه الأمة المحمدية، وبيان لجلالة قدر المحدثين، وعلو مرتبتهم في العالمين؛ لأنهم يحمون مشارع الشريعة، ومتون الروايات من تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين بنقل النصوص المحكمة ورد المتشابه إليها.
وقال النووي في (( تهذيب الأسماء واللغات ) ): هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بصيانة هذا العلم بحفظته وعدالة ناقليه، وأن الله تعالى يوفق له في كل عصر خلفاء من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر، وهكذا وقع ولله الحمد، وهو من أعلام النبوة، ولا يضر كون بعض الفساق يعرف شيئًا من علم الحديث، فإن الحديث إنما هو إخبار
ج 1 ص 3
بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئًا منه. انتهى.
قال الشهاب القسطلاني: على أنه قد يقال: ما يعرفه الفساق من العلم ليس بعلم حقيقة، كما أشار إليه المولى سعد الدين في تقرير قول صاحب (( التلخيص ) ): وقد ينزل العالم منزلة الجاهل. انتهى.
ومن ذلك حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) )رواه الشافعي والبيهقي.
وكذا أبو داود والترمذي بلفظ: (( نضر الله امرأً سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع ) )وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقد روي بأسانيد متعددة عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وبعض أسانيده صحيح، كما قاله المنذري، وأخرجه البزار بإسناد حسن، وابن حبان في (( صحيحه ) ).
ومنها ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم ارحم خلفائي، قلنا: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يروون أحاديثي ويعلمونها الناس ) ). رواه الطبراني في (( الأوسط ) ).
ومن ذلك ما رواه البخاري من قوله عليه الصلاة والسلام: (( بلغوا عني ولو آية ) )الحديث.
قال البيضاوي: إنما قال: ولو آية ولم يقل: ولو حديثًا؛ لأن الأمر بتبليغ الحديث يفهم منه بطريق الأولوية، فإن الآيات مع انتشارها وكثرت حملتها تكفَّل الله تعالى بحفظها وبصونها عن الضياع والتحريف. انتهى.
ومن ذلك حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة ) )قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وقال ابن حبان في (( صحيحه ) )في هذا الحديث بيان صحيح على أن أولى الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم في القيامة أصحاب الحديث، إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منهم.
وقال غيره: المخصوص بهذا الحديث نقلة الأخبار الذي يكتبون الأحاديث ويذبون عنها الكذب آناء الليل وأطراف النهار.
وقال الخطيب في كتابه (( شرف أصحاب الحديث ) ): قال لنا أبو نعيم: هذه منقبة شريفة يختص بها رواة الأخبار ونقلتها؛ لأنه لا يعرف لعِصابة من العلماء من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما يعرف لهذه العصابة نسخًا وذكرًا.
وقال أبو اليمن ابن عساكر: ليهن أهل الحديث آثرهم الله بهذه البشرى، فقد أتم نعمه عليهم بهذه الفضيلة الكبرى فإنهم أولى الناس بنبيهم صلى الله عليه وسلم، وأقربهم إن شاء الله وسيلة يوم القيامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم يخلدون ذكره في طروسهم، ويجددون [1] الصلاة والتسليم عليه في معظم الأوقات في مجالس مذاكرتهم وتحديثهم ودروسهم فهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية، جعلنا الله تعالى منهم وحشرنا في زمرتهم.
ومن ذلك ما رواه أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( العلم ثلاثة: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة، وما سوى ذلك فهو فضل ) ).
قال في (( شرح المشكاة ) ): التعريف في العلم للعهد، وهو ما علم من الشارع، وهو العلم النافع في الدين، وحينئذٍ فالعلم مطلق فينبغي تقييده بما يُفهم منه المقصود، فيقال: علم الشريعة ثلاثة أشياء والتقسيم حاصر.
وبيانه أن قوله: (( آية محكمة ) )يراد به جميع ما في كتاب الله تعالى مما عدا المتشابهات، ولا تتم معرفتها إلا للماهر الحاذق في علم التفسير وما يفتقر إليه من الأصول وعلوم العربية.
وقوله: (( أو سنة قائمة ) )أي: ثابتة ودائمة بالمحافظة عليها من قامت السوق إذا نفقت، وذلك يتضمن معرفة معانيها، وضبط أسماء رجالهم، ومعرفة حالهم من القبول والرد وغيرهما، ومعرفة أقسامها من الصحيح والحسن والضعيف وغيرها مما هو مبسوط في علم مصطلح الحديث.
وقوله: (( أو فريضة عادلة ) )أي: مستقيمة مستنبطة من الكتاب والسنة والإجماع.
وقوله: (( وما سوى ذلك فضل ) )أي: زائد لا مدخل له في علوم الدين بل ربما كان ضررًا
ج 1 ص 4
يستعاذ منه كقوله عليه الصلاة والسلام: (( أعوذ بك من علم لا ينفع ) )انتهى ملخصًا.
ففي هذا الحديث إشارة إلى أن العلوم الشرعية ثلاث: التفسير، والحديث، والفقه، فالأول مستفاد من قوله: (( آية محكمة ) )، والثاني من قوله: (( أو سنة قائمة ) )، والثالث: مستفاد من قوله: (( أو فريضة عادلة ) ).
ولعل ذلك مستند قول من قال:
~كل العلوم سوى القرآن سفسطة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
~العلم ما قلت فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين
ومن الآثار المحكية عن السلف قول عبد الله بن المبارك الإسناد من الدين ولولاه لقال من شاء ما شاء.
وقوله أيضًا: طالب العلم بلا سند كراقي السطح بلا سلم.
وقول سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل.
وقوله أيضًا: لا أعلم علمًا أفضل من طلب الحديث ممن أراد به وجه الله تعالى إن الناس يحتاجون إليه حتى في طعامهم وشرابهم فهو أفضل من التطوع بالصلاة والصوم؛ لأنه فرض كفاية، انتهى.
وقول [2] ابن القطان: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث، وقول الحاكم لولا كثرة طائفة المحدثين على حفظ الأسانيد لاندرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث وقلب الأسانيد.
وقال الخليل بن أحمد: إذا لم يكن أهل الحديث وأهل القرآن أولياء فليس لله في الأرض ولي.
وقول محمد بن عبد الله بن بشير: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت: من الفرقة الناجية من ثلاث وسبعين فرقة؟ قال: أنتم يا أصحاب الحديث.
وقول الإمام الشافعي: إذا رأيت رجلًا من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلم من هذا أن التنافس بنشر الحديث لم يزل بين الجهابذة سيرة حسنة وسنة ماضية، والاعتناء به شنشنة معروفة للفحول في الأعصار الخالية من امتطى صهوة جياده، فقد اقتعد غارب الأماني ومن أناخ نجائب همته بحماه الرحراح، فقد اقتطف بأنامل أفهامه يانع الجنى الدَّاني، يتمتع طالبه منه بروضة صادحة الأطيار، باسمة ثغور الأزهار، ويسرح طرف الطرف من كتبه في جنة مطردة الأنهار، مطلولة عذبات الأنوار فهو المطلب الأعلى، والمأرب الأغلى، تتسلسل به الفيوضات الإلهية، وتسترسل به المواهب اللدنية، وتتضاءل دون مزيته المزايا، وتضرب في تحصيله آباط المطايا، وينال من هجر في البحث عن غوامضه الوساد الإسعاف والإسعاد من رب العباد كيف لا وقد صدحت بالترغيب في وصله صوادح آي الكتاب وشدت بالترهيب عن هجره صوادع الأخبار عن رفيع الجناب، ويكفي المحدث شرفًا ونباهة شأن وجاه كونه ابتداء سلسلةٍ ختامُها رسول الله صلى الله عليه وسلم بفصل الخطاب، ولله درُّ أبي بكر حميد القرطبي، فلقد أحسن وأجاد حيث قال:
~نور الحديث مبين فادن واقتبس واحد الركاب له نحو الرضى الندس
~واطلبه بالصين فهو العلم إن رفعت أعلامه برباها يا ابن أندلس
~ولا نضع في سوى تقييد شارده عمرًا يفوتك بين اللحظ والنفس
~وخل سمعك عن بلوى أخي جدل شغل اللبيب بها ضرب من الهوس
~ما إن سمت بأبي بكر ولا عمر ولا أتت عن أبي ذر ولا أنس
~إلا هوى وخصومات ملفقة ليست برطب إذا عدت ولا يبس
~فلا يغرنك من أربابها هذر أجدى لسمعك منه نغمة الجرس
~أعرهم أذنا صما إذا نطقوا وكن إذا سألوا تعزى إلى خرس
~ما العلم إلا كتاب الله أو أثر يجلو بنور هداه كل ملتبس
~نور لمقتبس خير لملتمس حمى لمحترس نعمى لمبتئس
~فرد بقلبك عذبًا من حياضهما تغسل بماء الهدي ما فيه من دنس
~واقف النبي واتباع النبي وكن من هديهم أبدًا تدنو إلى قبس
~والزم مجالسهم واحفظ محاسنهم واندب مدارسهم بالأربع الدرس
~واسلك طريقتهم واتبع فريقهم تكن رفيقهم في حضرة القدس
~تلك السعادة إن تلمم بساحتها فحط رحلك قد عوفيت من تعس
ج 1 ص 5
[1] في الأصل: (( ويجدون ) )وقال في الهامش: ولعله: ويجددون. وهو ما أثبته.
[2] يوجد بياض في الأصل ولكن الكلام متصل لا انقطاع فيه.