فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 157

وكان لدول العالم أحد موقفين تجاه الاحتكار"الطبيعي"؛ فالشائع في أمريكا منح احتكار المرافق العامة لشركة خاصة، لكن لا تترك لتحدد أسعارها كما تشاء بل تقيد من حيث السعر ومن حيث نوعية الخدمات، أما في البلاد الأوربية الغربية فالحل الشائع هو تملك الدولة لهذه الاحتكارات والتزامها بتقديم الخدمة للجمهور لقاء أسعار تحددها الدولة نفسها بالطبع؛ فالدولة لا تحدد الأسعار لتحصل أقصى الأرباح بل تأخذ الاعتبارات الاجتماعية بالحسبان.

أما في البلدان الاشتراكية فلا مجال أصلًا للتفكير إلا في تملك الدولة لهذه المرافق وتقديم خدماتها للناس بعوض.

هل حصر حق تقديم هذه المرافق في مدينة معينة لشركة معينة ممنوع فقهًا؟

من السهل أن نرى إن هذا الحصر هو ضرب من احتكار الصنف، والأصل فيه كما رأينا أنه من الحرام المؤكد إن لم يكن له مبرر معتبر شرعًا.

فهل المبرر الاقتصادي لهذا النوع من الاحتكار البحت معتبر شرعًا؟

والجواب: إن المبرر كما رأينا هو تخفيف تكاليف رأس المال الباهظة التي لا بد أن تزداد لو تعددت الشركات المقدمة للخدمة في المدينة الواحدة، وهذا يحقق"منع الإسراف"، وهو هدف اقتصادي شرعي نص عليه القرآن العظيم، ولا يتحقق بغير ذلك [1] ، ولو منحت جهة معنية احتكار تقديم الخدمة للناس فلا بد أن يسعر عليها ولا تترك لتمارس سلطتها الاحتكارية الكاملة تجاه الجمهور، وهو ما أكده ابن القيم كما رأينا، و هو ما انتهت إليه بعض البلاد كحل عملي لهذه المشكلة، فهم مع تركهم هذا الاحتكار في أيدي شركات خاصة قد ألزموها بنوعية من الخدمة وسعروا عليها السعر الذي تبيع به.

تفصيلات في شأن المرافق العامة:

إن دواعي الاحتكار في تقديم خدمات المرافق العامة لها من الناحية الاقتصادية صلة وثيقة بتفانة الإنتاج في كل حالة بعينها، وهناك تطورات مهمة في هذا الموضوع

(1) هذه حالة واقعية يتعارض فيها نهي شرعي عن احتكار الصنف، مع نهي شرعي آخر عن الإسراف، ولا بد من الترجيح بينهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت