مفتر. فإنه لو قال ما لا علم له به لكان مبطلًا، فكيف إذا قال ما دلت الدلائل الكثيرة على نقيضة)؟
ولو تأمل الواحدُ ما ورد في الكتاب، والسنة في المغفرة لهم، ووعدهم سكنى الجنان، والشهادة لهم بالخيرية، والصلاح، والصدق، والنصرة لرأى أن ذلك حصل لجميع أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، المتقدمين منهم والمتأخرين-دون استثناء-، وأنه قد وقع في أزمنة متفاوتة إلى أن قُبض النبي-صلى الله عليه وسلم- .. .فورد على سبيل المثال لا الحصر:
في أهل بدر قوله-صلى الله عليه وسلم-لعمر بن الخطاب: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) [1] .
وفي غزوة الأحزاب قوله-تعالى-: {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا - مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا - لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا - وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا -} [2] ، الآيات. وفي أهل الحديبية قوله-تعالى-: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا - وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا - وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا -} [3] ، الآيات. وقوله-صلى الله عليه وسلم-: (لن يلج النار أحد شهد بدرًا، والحديبية) [4] .
وفيمن حضر غزوة حنين قوله-تعالى-: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ - ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ - ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ -} [5] .
وفيمن حضر غزوة تبوك قوله-تعالى-: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [6] . وفيمن حبسه العذر حديث أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع من غزوة تبوك، فدنا من
(1) انظر: الأحاديث الواردة في فضائل البدريين، وأهل الحديبية، من هذه الرسالة.
(2) الآيات: (22 - 25) ، من سورة: الأحزاب.
(3) الآيات: (18 - 20) ، من سورة: الفتح.
(4) انظر: الأحاديث الواردة في فضائل أهل بدر، والحديبية.
(5) الآيات: (25 - 27) ، من سورة: التوبة.
(6) الآية: (117) ، من سورة: التوبة.