الحمدُ لله يخلق ما يشاء ويختار اختيارا، خلق الإنسان وأوسعه جودًا وإكراما، وفضله على كثير من المخلوقات عدلًا واقتدارا، قال جل من قائل تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [1] ، وفاضل بين بني آدم فجعلهم رتبا وأقدارا، قال جل من قائل عليما: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [2] ، وجعل رسله وأنبياءه أفضلهم درجة وارتقاء، وفاضل بينهم بحكمته انتخابًا وانتقاء، قال-تبارك وتعالى-: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [3] . وصلى الله، وسلم على نبينا محمد، صلاةً وسلامًا تستمد الشمس ظاهر سناهما، ويستعير المسك عاطر شذاهما، أسمى الأنبياء درجة وأكثرهم أتباعا، وأفضلهم وأشرفهم أصحابا، هدى الله من تقدم من الأمة بخُبره، ومن تأخر بخَبره، ميمون النقيبة، مبارك الصحبة، عدّ الله-تعالى- أصحابه أفضل الخلق بعد الأنبياء والرسل استخلاصًا واصطفاء، قال -تعالى-: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [4] ، وقال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [5] ، وفاضل بحكمته بينهم منوهًا ومشيدا، فقال جل من قائل خبيرا: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الحسنى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [6] .. . أما بعد:
فيقول الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود الهذلي - رضي الله عنه: (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه) [7] اهـ .. . فهؤلاء الصحابة الكرام -رضي الله عنهم
(1) الآية: (70) ، من سورة: الإسراء.
(2) الآية: (21) ، من السورة المتقدمة نفسها.
(3) من الآية: (253) ، من سورة: البقرة.
(4) من الآية: (32) ، من سورة: فاطر.
(5) من الآية: (110) ، من سورة: آل عمران.
(6) من الآية: (10) ، من سورة: الحديد.
(7) هذا مختصر من أثر رواه جماعة، منهم: الإمام أحمد (6/ 84) ورقمه/3600 عن أبي بكر عن عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود به .. . وهذا إسناد حسن؛ فيه عاصم (وهو: ابن أبي النجود) حسن الحديث (انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 6/ 320 - 321، وتهذيب الكمال 13/ 473 ت/3002) . وأبو بكر في الإسناد هو: ابن عياش.