وأرضاهم- هم أعظم من حقق توحيد الله، والإيمان به، والجهاد في سبيله، والإصلاح في الأرض بعد الأنبياء والمرسلين، قاموا بذلك علمًا، وعملًا، واعتقادًا، وهم الصفوة المختارة، وخير هذه الأمة بعد نبيها- صلى الله عليه وسلم-، وأعلمهم به وبدينه، وأجداهم وأنفعهم للدين، اختارهم الله لصحبة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فاقتدوا به، واهتدوا بهديه، واستنوا بسنته، وكان لهم من الإيمان واليقين ما لا يشركهم فيه أحد عقبهم [1] ، ومن الفضل والشرف ما لا يعدله شيء، ولا مطمع فيه لمن جاء بعدهم، (أجمعوا جميعًا على محبة الله -عز وجل-، ومحبة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وعلى المعاونة على نصرته، والسمع والطاعة له على العسر واليسر، والمنشط والمكره، لا تأخذهم في الله لومة لائم) [2] ، رضيهم الله لنصرة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وإقامة دينه، (فأعزوا دين الله -عز وجل-، وأذلوا أعداء الله -عز وجل-، وسنوا للمُسلِمين السنن الشريفة، وكانوا بركة على جميع الأمة) [3] ، ووصفهم الله في كتابه بأبهج وصف، ونعتهم بأبهى نعت، فهم ليوث الشرى، وغيوث الندى، ومصابيح الدجى، وغيظ العدى، يبتغون فضلًا من الله ورضوانا، أدوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أدى إليهم، ومضوا على منهاجه، اتبعوا كتاب الله - عز وجل -، وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، قوم سموا إلى المكارم والمفاخر، وارتقوا في ذرى المجد، ذووا معالي سامقة، ومواضع نفيسة، وأعراض نقية، ومناقب جليلة، وفضائل شريفة في كتاب الله-عز وجل-، وفي سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وفي أقوال بعضهم في بعض، وفي أقوال التابعين، ومن تبعهم بإحسان .. .وهذه النصوص الدالة على فضائلهم العالية، ومناقبهم الشريفة دائمة لهم، ومستمرة في حقهم، ليست خاصة بوقت دون وقت، أو زمان دون زمان [4] .
(1) وانظر: منهاج السنة (6/ 223) ، والاعتصام للشاطبي (2/ 252) .
(2) الشريعة للآجري (4/ 1633) .
(3) المصدر المتقدم (4/ 1637) .
(4) قال الله-تعالى-في سورة الفتح، الآية (18) : {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} ، وقال في سورة التوبة، الآية (100) : {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} ، فهؤلاء الأصحاب أخبرنا الله -عز وجل-أنه علم ما في قلوبهم، وأنزل السكينة عليهم، ورضي عنهم، والرضى من الله صفة قديمة، فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبدا، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم، ولا الشك فيهم البتة. وقد بين في آية التوبة أنه رضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان، ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان، وكل من أخبر الله عنه أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة، لا يدخل النار لتعذيب، وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه، وعمله الصالح فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء والمدح عليه، فلو علم أنه يتعقب ذلك ما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك. وقد وعدهم سكنى الجنة، خالدين فيها أبدا {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ} [من الآية: (20) ، من سورة: الزمر] . ولقد خاب، وخسر من رد حكم ربه-عز وجل-، ووعده. -انظر: الفصل لابن حزم (4/ 225 - 226) ، والصارم المسلول لشيخ الإسلام (3/ 1067 - 1069) ، والرياض النضرة للمحب الطبري (1/ 6) ، والفوائد لابن القيم (ص/35 - 36) .