• ثامنًا: أن في خدمة هذا الباب والتصنيف فيه أهمية وشرفًا؛ لما فيه من الفوائد الجليلة، والفرائد الأثيرة، ولما فيه من الأجور الجزيلة من الله -تبارك وتعالى- فيما يحتسب عنده -جل وعلا-.
• تاسعًا: أن الأحاديث الواردة فيه كثيرة جدا. وما أراه من الحاجة الملجئة إلى كتاب ينظم شملها، ويضم ألفتها، مع بيان أحوال رواتها، ومنازل درجاتها بالعدل والإنصاف، على ضوء القواعد المقررة، والضوابط المعتبرة عند أهل العلم، مع ما لا يخفى من علو مكانة علم الحديث، وصعوبة مزاولته وإتقانه؛ لشدة مراسه، وصعوبة معتركه، ودقة ولطف مداركه، ونعم المشتغل والصنعة هو- والله حسبي، ونعم الوكيل-.
• عاشرًا: أن في دراسة، وتأمل الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة -رضي الله عنهم-، والوقوف عليها وقوف مُعتَبِر، وتأملها تأمل مُتفكِر، وعقل دلالاتها حلاوةً تقتاتها الأرواح، وتتزكى بها الأنفس، ولها أثرها البالغ في زيادة الإيمان، والصبر على ما أمر الله به، أو نهى عنه، إخباتًا لله، ورجاءً لمغفرته. وفيها تنبيه وتذكير لذوي الغفلة، وشحذ لأهل الهمم المقتدين برسول الله-صلى الله عليه وسلم-، المتشبهين بهم، لإحياء سيرهم، واقتفاء آثارهم [1] . وفيها طمأنينة للنفس، وخشوع في القلب، وزهد في الدنيا، ورغبة في الأخرى، وتشوّق إليهم، وإلى صحبتهم فيما وعدهم الله به من جنات تجري من تحتها الأنهار، لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبدًا، إن الله عنده أجر عظيم .. . وفيما أظن أنه لن يخلو من قرائها، ومتأمليها مطالع يخشع قلبه، ويقشعر جلده، وتترقرق دموعه، وتتحدر عبراته؛ لما تتركه في نفسه من مواعظ وعبر، وفي عقله من تأملات وخواطر، وفي إيمانه من زيادة يلحظها ويعرفها. فأصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قد مضوا على خير صيت، وأجل رتبة، وأبعد مكان عن الإعجاب والكِبْر مع ما ورد في مناقبهم وفضائلهم، وما وصفوا به من الأوصاف الجميلة الحميدة [2] ، ومضى بعدهم أكثر من ثلاثة عشر قرنًا بأفرادها،
(1) الصحابة-رضي الله عنهم-كانوا مقتدين بالرسول-صلى الله عليه وسلم-، مهتدين بهديه، وإنما كان خلقه-صلى الله عليه وسلم- القرآن، فالقرآن هو المتبوع على الحقيقة، وجاءت السنة مبينة له، فالمتبع للسنة متبع للقرآن، والصحابة كانوا أولى الناس بذلك. فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة الناجية، الداخلة للجنة بفضل الله. عن الشاطبي في الاعتصام (2/ 252) ، بتصرف يسير.
(2) انظر: فتح الباري (10/ 494) .