وقد يقوله بمنصب الإمامة فيكون مصلحة للأمة في ذلك الوقت وذلك المكان وعلى تلك الحال فيلزم من بعده من الأئمة مراعاة ذلك على حسب المصلحة التي راعاها النبي صلى الله عليه وسلمزمانًا ومكانًا وحالًا، ومن هاهنا تختلف الأئمة في كثير من المواضع التي فيها أثر عنه [1] ، كقوله (: {مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُه} [2] ، هل قاله بمنصب الإمامة فيكون حكمه متعلقًا بالأئمة [3] ، أو بمنصب الرسالة والنبوة فيكون شرعًا عامًا
(1) في الأصل: تختلف الأئمة في أقواله، والصواب ما أثبتناه.
(2) رواه البخاري (3142) ، ومسلم (41/ 1751) بلفظ: {مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَليهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُه} .
(3) قال القرافي رحمه الله: (فما فعله عليه السلام بطريق الإمامة كقسمة الغنائم وتفريق أموال بيت المال على المصالح وإقامة الحدود وترتيب الجيوش وقتال البغاة وتوزيع الإقطاعات في القرى والمعادن، فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذن إمام الوقت الحاضر، لأنه(إنما فعله بطريق الإمامة، وما استُبِيْحَ إلا بإذنه، فكان ذلك شرعًا مقررًا، لقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ، الأعراف: 158) . [الإحكام، ص 108] .
وقد أورد المصنف كلامًا للإمام السبكي على نفس هذا المعنى، ومقصود القرافي أن هذه التصرفات التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلمعلى سبيل الإمامة، أصبحت خاصة بمن يقوم مقامه (في هذا المنصب، وهو الإمام أو من يقوم مقامه إن عُدم، وكلام القرافي عن ترتيب الجيوش محمول على جهاد الطلب، إذ معلوم أن جهاد الدفع لا يشترط فيه وجود الإمام.
وأما بالنسبة لتصرفات النبي صلى الله عليه وسلمعلى سبيل الحكم والقضاء، فمما يدل عليها ما رواه البخاري (7169) عن أم سلمة < أن رسول الله (قال: {إنما أنا بشرٌ، وإِنَّكُم تختصمونَ إلي، ولعلَ بعضَكُم أَنْ يكونَ ألحَنَ بحُجَتِهِ مِنْ بَعضٍ، فأقضِي على نحو ما أسمع، فمَنْ قضيتُ لهُ بحقِ أخيهِ شيئًا فلا يَأخُذْهُ، فإنما أقطعُ لهُ قطعةً مِنْ النارِ} ، ومما يدخل في تصرفاته (على سبيل الحكم والقضاء فصله بين الناس في خصوماتهم ونزاعاتهم، وإنزاله العقوبات والحدود والتعزيرات على مستحقيها ونحو ذلك.
قال القرافي: (وما فعله عليه الصلاة والسلام بطريق الحكم، كالتمليك بالشفعة وفسوخ الأنكحة والعقود والتطليق بالإعسار عند تعسر الإنفاق والإيلاء والفيئة ونحو ذلك، فلا يجوز لأحد أن يُقدم عليه إلا بحكم الحاكم في الوقت الحاضر، اقتداء به (، لأنه عليه السلام لم يقرر تلك الأمور إلا بالحكم، فتكون أمته بعده(كذلك) . [الإحكام، ص 108] .