الاعتبار أن لا تخالف دليلًا شرعيًا ولا قاعدة عامة من قواعد الشريعة، وإن لم يرد بها دليل خاص، لأن المصلحة المرعية لا تكون معتبرة في الشرع إلا إذا كانت متفقة مع الأدلة العامة والقواعد الكلية ومقاصد الشريعة الإسلامية.
قال ابن القيم في [الطرق الحكمية] : (وقال ابن عقيل في الفنون: جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية أنه هو الحزم، ولا يخلو من القول به إمام، فقال الشافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول (ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك"إلا ما وافق الشرع"أي لم يخالف ما نطق به الشرع، فصحيح، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع، فغلط، وتغليط للصحابة. فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف، فإنه كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة، وتحريق علي - رضي الله عنه - الزنادقة في الأخاديد فقال:
إني إذا شاهدتُ أمرًا مُنكرا ... أَججتُ ناري ودعوتُ قُنْبُرا
ونفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه لنصر بن حجاج [1] .
وهذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك، ومعترك صعب، فرط فيه طائفة، فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرءوا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا أنه
(1) وقد نفاه عمر رضي الله عنه لشدة جماله وافتتان النساء به، فنفاه خوفًا على نساء المدينة من الفساد، وفيه دليل على جواز تغريب الإمام لمن يخشى ضرره وفتنته، ويرى أن التغريب يمنع ضرره.