لقد تقرر في نصوص الكتاب والسنة أن إفراد الله بالعبادة هو الدين والتوحيد الذي دعا إليه الأنبياء والرسل & [1] على مدار التاريخ البشري كله [2] ، وأنه أول واجب على المكلف [3] ، وأنه الشرط في قبول سائر الأعمال، فكما لا تقبل صلاة بغير وضوء، لا تقبل عبادة بغير توحيد [4] .
ثم لما وقع في القرون الأخيرة هذه استبدال القوانين الوضعية بالشرع المطهر، أحوج ذلك أهل العلم إلى بيان خطر هذه الواقعة [5] على الإسلام وأهله، إذ لما كان [6]
(1) ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] .
(2) تقرر لدى العلماء رحمهم الله التقسيم المعروف المشهور للتوحيد (الربوبية والألوهية والأسماء والصفات) ، ودليله التتبع والاستقراء لنصوص الشرع، وإنما أحوج الأئمة إلى هذه القسمة الثلاثية ظهور طوائف أهل البدع، واختلاط المسلمين بعد انتشار الإسلام بغيرهم من الأمم، فتسربت إلى المسلمين كثير من العقائد الباطلة من الديانات الأخرى، واقتضاهم الاصطلاح على التقسيم المذكور، بيانًا لما يجب على العبد نحو خالقه تعالى؛ وصيانة له عن الوقوع فيما يقدح في التوحيد الذي لأجله خُلِق. [المصنف] .
(3) والأدلة على ذلك كثيرة، ومنها قول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، وقوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] ، فقدم التوحيد على غيره من الأعمال.
(4) ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] ، فقرن بين التوحيد وبين العمل، وكذلك قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ، فجعل الشرك - وهو عدم التوحيد - سببًا لحبوط جنس العمل.
(5) أي النازلة.
(6) في الأصل: إذ كان، والأصوب ما أثبتناه.