فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 302

بعضًا في ظاهر الأمر، إذا لم يكن في يده ميزان مقاصد الشارع؛ فالواجب إذن اعتبار الجزئيات بالكليات، شأن الجزئيات مع كلياتها في كل نوع من أنواع الموجودات [1] .

(1) يقول الشيخ أبو قتادة الفلسطيني:(الذي ينشيء القاعدة الكلية هو الفروع، إذ لا يوجد نص في الشريعة يقول بالضرورات الخمسة، ولكن الفقهاء نظروا إلى مجموع النصوص الفرعية الجزئية فكونوا منها القواعد الكلية والأحكام الكلية، أي أن الجزئي هو الذي أنتج الكلي، وبعبارة أخرى فإن الجزئي هو الأصل، والكلي هو الفرع، إذ أننا لم نستطع أن نَعْرِفَ الكلي إلا من خلال مجموع هذا الجزئي واتفاقه على هيئة واحدة توضح وتبين أن هذا مراد الشارع، فالكلي رغم كونه كليًا إلا أنه فرعي، فرغم كونه قاعدة كلية، إلا أن الجزئي الفرعي هو الذي أنشأه، والجزئي رغم كونه من فروع الشريعة، إلا انه أصلي بالنسبة للكلي.

ومثال ذلك أننا حين نظرنا للشارع وجدناه يأمر بإقامة الصلاة وذكر الله وحب الله والجهاد في سبيل الله وغير ذلك، فهذه الفروع الجزئية مجتمعة أنشأت لدينا حكمًا كليًا، وهو مقصد إقامة الدين، وكذلك حين وجدنا الشارع يمنعنا من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ويمنع من هلكة البدن، ويأمر بالسعي من أجل الأكل والشرب وغير ذلك، علمنا بمجموع هذه الأحكام الجزئية أن الشارع قد أنتج حكمًا كليًا وهو وجوب حفظ النفس، وحين وجدنا الشارع يمنع الزنا ويحض على الزواج، علمنا مقصد حفظ العرض والنسل، وحين وجدنا الشارع يمنع السرقة ويقطع يد السارق، علمنا مقصد حفظ المال.

فالذي أنشأ هذه القواعد الكلية هو مجموع الجزئي، فالجزئي وإن كان جزئيًا اصطلاحًا، إلا أنه أصلي من حيث النشأة، والكلي وإن كان كليًا اصطلاحًا إلا أنه فرعي من حيث النشأة، وذلك لأن الكلي مُنْتَج، وأما الجزئي فهو المُنْتِج.

وتصور المسألة على هذا المعنى، يجعلنا نفهم القاعدة التي قررها الشاطبي بأنه لا يجوز للفرعي بأن يعود على الأصلي بالإبطال، إذ الأصلي - وهو الجزئي - ينبغي أن يبقى قائمًا، والفرعي لاحق له، فلا يصح للكلي أن يبطل الأصلي وهو الجزئي، وذلك لأن الذي أنتج هذا الكلي هو الجزئي"الأصلي"، فالجزئي وإن كان فرعيًا، أي أنه من فروع الشريعة، إلا أنه أصلي النشأة، فلا يجوز أن يعود الكلي الفرعي النشأة عليه بالإبطال، وهو - أي الجزئي - المُنتِج، وذاك مُنتَج، وهذه قاعدة أصولية). [تفريغ مناقشة كتاب"الشريعة الإسلامية وفقه التطبيق"، ص 7 - 8، بتصرف] .

ويقول في موضع آخر:(الشاطبي في مقدمة"الموافقات"جعل الفروع المتعددة مع ظنيتها هي التي تُنشئ العام والقاعدة والكلي؛ وبالتالي تصبح هذه الكلية بدليل الاستقراء واجتماع الظن المتضافر يقينية.

إذًا منشأ الكلي هو الجزئي، ثم يعود الكلي على الجزئي بالضبط لا بالإلغاء، ولو عاد الفرع - وهو هنا الكلي - على الأصل - وهو الخاص - بالإبطال لبطل الفرع، وهذا شيء لا يختلف فيه الناس) . [كلمة في فقه المقاصد والمصلحة، بتصرف يسير] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت