أصحاب رسول الله (من بعده قد اختلفوا في أحكام الدين ولم يتفرقوا ولا صاروا شيعًا، لأنهم لم يفارقوا الدين؛ وإنما اختلفوا فيما أُذن لهم من اجتهاد الرأي والاستنباط من الكتاب والسنة فيما لم يجدوا فيه نصًا، واختلفت في ذلك أقوالهم فصاروا محمودين لأنهم اجتهدوا فيما أُمروا به) ، ثم ذكر مسائل مما اختلف فيه الصحابة، ثم قال: (وكانوا مع هذا - أي الاختلاف - أهل مودة و تناصح، وأخوة الإسلام بينهم قائمة؛ فلما حدثت الأهواء المردية التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلموظهرت العداوات وتحزب أهلها وصاروا شيعًا، دل على أنه إنما حدث ذلك من المسائل المحدثة التي ألقاها الشيطان على أفواه أوليائه) .
وقال الشاطبي رحمه الله: (قال - يعني بعض العلماء - فكل [1] مسألة حدثت في الإسلام واختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فُرقة، علمنا أنها من مسائل الإسلام؛ وكل مسألة طرأت [2] فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز [3] والقطيعة علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء) [4] .
وقال في [الموافقات والاعتصام] نقلًا عن أبي حامد الغزالي رحمه الله: (وأكثر الجهالة إنما ثبتت في قلوب العوام بتعصب جماعة من أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلاء ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها) .
(1) في الأصل: كل، والصواب ما أثبتناه.
(2) في الأصل: حدثت وطرأت، والصواب ما أثبتناه.
(3) في الأصل: والبغضاء والتدابر، والصواب ما أثبتناه.
(4) الموافقات، 5/ 163 - 164.