"فأوغلوا"أي سيروا"فيه برفق"من غير تكلف ولا تحملوا أنفسكم ما لا تطيقون فتعجزوا وتتركوا العمل،"فإن المُنْبَتَّ"- بضم الميم وسكون النون وفتح الموحدة وشدة المثناة - فوق المنقطع المتخلف عن رفقته لكونه أجهد دابته حتى أعياها أو عطبت ولم يقض وطره،"لا أَرضًا قَطَعَ ولا ظَهرًا أَبْقَى"أي فلا هو قطع الأرض التي قصدها ولا هو أبقى ظهره ينفعه، فكذا من تكلف من العبادة ما لا يُطيق، فيُكره التشديد في العبادة لذلك).
وجاء في فتح الباري: (ولو أنه رفق براحلته واقتصد في سيره عليها لقطعت به سفره وبلغ إلى المنزل، كما قال الحسن: نفوسكم مطاياكم؛ فأصلحوا مطاياكم تبلغكم إلى ربكم - عز وجل -، والله أعلم) [1] .
وجاء في فيض القدير: (وقال الغزالي: أراد بهذا الحديث أن لا يكلف نفسه في أعماله الدينية ما يخالف العادة بل يكون بتلطف وتدريج فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبدل فإن الطبع نفور ولا يمكن نقله عن أخلاقه الرديئة إلا شيئًا فشيئًا حتى تنفصم تلك الصفات المذمومة الراسخة فيه ومن لم يُراعِ التدريج وتوغل دفعة واحدة ترقى إلى حالة تَشُقُ عليه فتنعكس أموره [2] ، فيصير ما كان محبوبًا عنده ممقوتًا، وما كان مكروهًا عنده مُشْرَبًا هنيئًا لا ينفر عنه [3] ، وهذا لا يُعرف إلا بالتجربة والذوق، وله نظير في العادات، فإن الصبي يُحمل على التعليم ابتداء قهرًا، فيشق عليه الصبر عن اللعب والصبر مع العلم، حتى إذا انفتحت بصيرته وأنس بالعلم
(1) فتح الباري لابن رجب، 1/ 153.
(2) وما يراعى في إصلاح الذات يراعى في إصلاح الغير. [المصنف] .
(3) وذلك أن الشريعة تراعي أحوال الناس وطبائعهم.