وقد ذكر ابن القيم رحمه الله حادثة عن شيخه ابن تيمية رحمه الله تدل على فقهه بالتغيير والواقع، فقال: (وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه ونور ضريحه - يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال، فدعهم [1] [2] .
وقد سبق قول ابن تيمية رحمه الله: (فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن، إما لجهله وإما لظلمه، ولا يمكن إزالة جهله وظلمه، فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ونهيه، كما قيل إن من المسائل مسائل جوابها السكوت) [3] اهـ.
(1) وذلك لأن تركهم لهذا المنكر وهو الخمر، وإن كان فيه مصلحة حفظ العقل، إلا أنه يستلزم حصول منكر أعظم منه، وهو قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال، وهذا فيه تضييع لمصلحة حفظ النفس وحفظ العرض وحفظ المال، وهذه هي الدرجة الرابعة من درجات المنكر، وهي أن يزول ويخلفه ما هو شر منه، وهي محرمة كما ذكر ابن القيم رحمه الله، وبهذا الموقف نتعلم من شيخ الإسلام رحمه الله فقه التعامل مع مراتب الأحكام، حيث قدم مصلحة حفظ النفس والعرض والمال على مصلحة حفظ العقل.
(2) إعلام الموقعين، 4/ 340.
(3) مجموع الفتاوى، 20/ 35.