فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 302

وأرجأه [1] لما يترتب على ذلك من المصالح ولما يترتب على تطبيقه من المفاسد، كما ظهر من الحديث، وقد ورد في رواية البخاري ومسلم: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {دَعْهُ، لا يَتحدث النَّاسُ أَنَّ مُحمدًا يَقْتُلُ أَصحَابَهُ} [2] .

قال الشيخ عبد الله دراز رحمه الله في [تعليقه على الموافقات، 5/ 181] : (فموجب القتل حاصل، وهو الكفر بعد النطق بالشهادتين، والسعي في إفساد حال المسلمين كافة بما كان يصنعه المنافقون، بل كانوا أضر على الإسلام من المشركين، فقتلهم درء لمفسدة حياتهم، ولكن المآل الآخر وهو هذه التهمة التي تبعد الطمأنينة عن مريدي الإسلام، أشد ضررًا على الإسلام من بقائهم) .

قال النووي رحمه الله: (وفيه ترك بعض الأمور المختارة والصبر على بعض المفاسد

(1) الذي يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلملم يُأخر تطبيق الحكم على ابن أبي، بل تركه، وقد يقال: عفا عنه، وهذا واضح في قوله لابنه عبد الله: {بَلْ نَتَرَفَقُ بهِ ونُحْسِنُ صُحبَتَهُ ما بَقِيَ مَعَنَا} ، وهذه سياسة نبوية راشدة ينبغي اتباعها في احتواء بعض الجماعات المنافقة المتواجدة في الساحات الجهادية، إما تجنبًا لضررها، أو تأليفًا لقلوب أتباعها.

(2) البخاري (4905) .

وهذا باب مهم في السياسة الشرعية وتقدير المصالح والمفاسد العامة ينبغي فهمه ومراعاته وحسن ضبطه، فإن البعض إذا رأى مثل هذا التصرف من أحد قادة المجاهدين مع بعض المنافقين في زماننا سارع باتهامه بالانبطاح والرقة في الدين أو ترك الصدع بالحق والمهادنة لأهل الباطل، وغير ذلك من التهم، وهذا خطأ، فإن النبي صلى الله عليه وسلمقد فعل ذلك وأكثر منه مع ابن أبي، فقد قَبِلَ شفاعته في يهود بني قينقاع رغم نكثهم للعهد وعدوانهم على المسلمين، والقصة معروفة، بل قد صلى عليه عند موته، وكان ذلك قبل أن يُنهى عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت