ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) [1] .
(1) مجموع الفتاوى، 21/ 359، وانظر معالم أصول الفقه، ص 336 - 340.
قلت: كلام شيخ الإسلام رحمه الله يبين أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل معًا، وليس بالقدرة على العمل وحده، فمن كان عاجزًا عن العلم ولا يستطيع أن يعلم حكم الله - عز وجل - ومراده في بعض النصوص والمسائل، فإنه يسقط عنه التكليف فيها، حتى يتمكن من العلم بما جهله، وأمثلة هذا كثيرة، ومن ذلك حديث العهد بالإسلام، ومن نشأ ببادية بعيدة، ومن كان أسيرًا عند الكفار لا يتمكن من سؤال أهل العلم، ومن يحيا في زمن دُرِسَ فيه العلم وقَلَّ أهله، وكذلك الأعجمي الذي لا يحسن العربية ولا يجد من يعلمه أو يترجم له، وليس هناك أهل علم يتكلمون بلسانه من حوله، فهذا معذور وإن وُجِدَ حوله علماء يتكلمون بالعربية، لاختلاف اللسان، وغير ذلك من الأمثلة، فكل هؤلاء عاجزون عن تحصيل العلم، فيسقط عنهم التكليف فيما جهلوه، وهذا يبين مدى اتساع مسألة العذر بالجهل، وخطأ من يضيقونها ويتعنتون فيها، والمسألة على هذا الوجه متفرعة عن القاعدة الفقهية: (إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع الأمر ضاق) ، وذلك أنه كلما ضاقت دائرة العلم، كلما اتسعت دائرة العذر بالجهل تبعًا لها، وبالعكس، فكلما اتسعت دائرة العلم، كلما ضاقت دائرة العذر بالجهل تبعًا لها.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (بيَّنَ سبحانه أنه لا يعاقب أحدًا حتى يبلغه ما جاء به الرسول، ومن علم أن محمدًا رسول الله فآمن بذلك، ولم يعلم كثيرًا مما جاء به لم يعذبه الله على ما لم يبلغه) [مجموع الفتاوى، 22/ 28] .
وهذا فيمن كان جهله اضطراري يتعذر دفعه، لعدم تمكن صاحبه من تحصيل العلم، وأما من تمكن من تحصيل العلم، ثم تركه كسلًا وإعراضًا، فإنه لا يعذر بذلك.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:(لا بد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان في الوجود، فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه، لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم الذى لا يتمكن من العلم بوجه، فهم قسمان أيضًا:
أحدهما مريد للهدى مؤثر له محب له، غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات ومن لم تبلغه الدعوة.
الثانى معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه.
فالأول يقول: يارب لو أعلم لك دينًا خيرًا مما أنا عليه لَدِنتُ به وتركت ما أنا عليه، ولكن لا أعرف غير ما أنا عليه ولا أقدر على غيره، فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي، والثاني راضٍ بما هو عليه، لا يؤثر غيره عليه، ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته، وكلاهما عاجز، وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق، فالأَول كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به، فعدل عنه بعد استفراغه الوسع في طلبه عجزًا وجهلًا، والثانى كمن لم يطلبه، بل مات في شركه، وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض.
والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عله حجته بالرسل). [طريق الهجرتين، 2/ 899 - 900] .