منها، وذهب فريق ثالث إلى وجوب التطبيق مع مراعاة أحوال الناس في ذلك، وأسموه تدرجًا على سبيل التجوز، لكنهم لم يقصدوا به تدرج المنفلتين.
وكتاب الشيخ البليدي"الشريعة الإسلامية وفقه التطبيق"يبحث هذه المسألة، وقد ذهب فيه للقول بوجوب إقامة الشريعة وتطبيق أحكامها مع ضرورة مراعاة مناطات الأحكام وأحوال الناس، فهو ليس تطبيقًا كاملًا فوريًا، وليس تدرجًا منفلتًا، بل تحكيم للشريعة وفق أصول وقواعد علمية منضبطة.
وللكتاب قيمة علمية أصولية بمناقشته للمسألة وبحثها بحثًا أصوليًا متينًا، مما يجعله جديرًا بأن يكون محل اهتمام دعاة إقامة الشريعة.
ومصنف الكتاب من مشايخ المجاهدين، فقد كان رئيس الهيئة الشرعية لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، حتى استشهد تقبله الله، وكثيرًا ما اتُهِمَ هذا التنظيم بالغلو والتشدد، وأنه يرى التطبيق الفوري للشريعة دون التدرج فيها، وأنه لا يراعي أحوال الناس، ولا يراعي الضرورات والحاجات، ولا يرى بالتيسير، ويتجاوز المراحل، بل يحرقها، إلى غير ذلك من الاتهامات، فجاء هذا الكتاب من هذا الشيخ المجاهد ليبدد هذه الاتهامات ويظهر بطلانها، وهذه قيمة أخرى للكتاب.
ومما يزيد من قيمة الكتاب كذلك، كونه مُصَنَّفًا فريدًا في بابه بالنسبة للمجاهدين، وذلك أن الشيخ البليدي رحمه الله يُعد أول شيخ مجاهد يُفرد مصنفًا لهذه المسألة الشائكة - فيما أعلم - ليؤصل لجواز التدرج المنضبط علميًا، ويبني ذلك على أصول علمية منضبطة، وإن كان غيره قد تكلم وكتب في المسألة، لكنهم ليسوا من الجماعات المجاهدة المتهمة بتحريم التدرج، فليسوا مقصودين في هذه المقارنة.
ويتميز الكتاب بأمور، منها عدم تطبعه بطابع مذهبي معين، فهو ينقل عن مذاهب مختلفة، فقد نقل عن الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، كما نقل عن