ومن ذلك قبول توبة المحارب غير المقدور عليه وإسقاط العقوبات [1] عنه؛ فإن عدم قبول توبته وعدم إسقاط العقوبات يدعوه إلى مزيد الإفساد وسفك الدماء ونهب الأموال؛ وبالنظر إلى ذلك المآل جاء التشريع بإسقاط العقوبة عن المحارب غير المقدور عليه إذا تاب قبل القدرة عليه.
ومن ذلك تأخير إقامة الحد على المحدود في دار الحرب خشية لحوقه بالكفار [2] .. فقد ورد قوله (: {لا تُقطَعُ الأَيدِي فِي الغَزْو} [أخرجه الترمذي، كتاب الحدود، وقال: هذا حديث غريب. وأبو داود، كتاب الحدود، وقد صححه الألباني: صحيح أبي داود، رقم 3708] .
ومراعاة هذا الأصل - أي النظر في المآلات - عند تنزيل الأحكام الكلية على
(1) المقصود إسقاط العقوبات التي هي حق خالص لله، وأما العقوبات التي فيها حقوق متعلقة بالناس فلا تسقط إلا بعفو أصحابها.
(2) ولحوق المسلم المجاهد بصف الكفار فيه مفاسد عظيمة، منها وقوع أسرار المجاهدين في أيدي أعدائهم، وقد يكون هذا الملتحق بالكفار ممن له إطلاع واسع على تفاصيل أوضاع المجاهدين وأسرارهم العسكرية والأمنية وغير ذلك، بحسب موضعه بينهم قبل التحاقه بأعدائهم، ومنها أن التحاقه بالكفار قد يُغري بعض ضعفاء النفوس أمثاله في الاقتداء به، ومنها أنه قد يؤذي نفسية المجاهدين ويضعف عزيمتهم ويحبط معنوياتهم، وخاصة إذا كان قائدًا أو أميرًا أو صاحب مكانة بينهم أو كان ممن يُنظر له ويُشار إليه بالبنان، ومنها أنه يتسبب في رفع معنويات الكفار وزيادة حماستهم في محاربة المسلمين، وغير ذلك من المفاسد التي تظهر عند التأمل، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلمعن إقامة الحدود في الغزو مراعاة لهذه المآلات الفاسدة - التي تغلب على الظن - ودرءًا لها، مع ضرورة التنبه لمراعاة المناط الصحيح لمثل هذه الحالات وعدم التوسع فيها، وعدم قياس ما لا يصح من الحالات عليها، فإن الناس في مثل ذلك بين إفراط وتفريط، بين مضيق وموسع، والصحيح التوسط في ذلك.