فهرس الكتاب

الصفحة 844 من 922

وروينا في أخبار داود عليه السلام: إلهي إني أحب أن أتعبد لك فأي وقت تقبل؟ فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه: ياداود لا تقم أول الليل ولا آخره، فإنه من نام أوله نام آخره ومن قام آخره لم يقم أوله ولكن قم وسط الليل حتى تخلو بي وأخلو بك وارفع إليّ حوائجك، والورد الرابع يكون بين الفجرين أحدهما الفجر الأول وهو بدو سلطان شعاع الشمس إذا ظهرت من وراء الأرض الخامسة وسطع ضوءُها في وسط السماء حتى يقطعها بمقدار طلوع الفجر الأول ثم تغرب في الفلك الأسفل المتجانف وتحجبها الأرض السادسة فيذهب الضوء ويعود سواد الليل كما كان لغيبة الشمس وهو الثلث الأخير وفيه وردت الأخبار باهتزاز العرش وانتشار الرياح من جنات عدن ومن نزول الجبار إلى سماء الدنيا وفيه الخبر الذي جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الليل أفضل؟ فقال: نصف الليل الغابر يعني الباقي وهذا هو الورد الرابع من نصف الليل إلى وقت السحر الأول، ثم يدخل الورد الخامس وهو السحر الأخير وفيه يستحب السحور، فمن لم يتسحر في أوله بغته الفجر وهو قبل طلوع الفجر الثاني بمقدار قراءة جزء من القرآن، في هذا الورد الخامس الاستغفار وقراءة القرآن وقد ذكره اللّه عزّ وجلّ في قوله: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} الإسراء:87، قيل تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار لتوسط هذا الورد بينهما، ومن ذلك ذهب أهل الحجاز إلى أن الصلاة الوسطى التي نص اللّه تعالى على المحافظة عليها هي صلاة الفجر تعظيماً لهذا الوقت وتشريفاً له لتوسطه بين آخر الليل وأول النهار، فهذا الورد هو أقصر الأوراد ومن أفضلها وهو من السحر الأول إلى طلوع الفجر الثاني إلا ما كان من صلاة نصف الليل فذلك هو أفضل شيء من الليل، وهو أوسط الأوراد لأنه هو الورد الثالث، ويصلح في هذا الورد الخامس من السحر الأخير الصلاة لمن استيقظ من ساعته أو لمن تمم به صلاته، فالصلاة فيه لها فضل وشرف وهو بمنزلة الصلاة في أول الليل بين العشاءين، ولأن معنى قوله عزّ وجلّ عند بعض المفسرين: {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} الذاريات:81، أي يصلون وكذلك قوله عزّ وجلّ: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} الإسراءِ:87 يعني به الصلاة فكنى بذلك القرآن والاستغفار عن الصلاة لأنهما وصفان منها، كما قيل للصلاة تسبيح وسبحة لأن فيها التسبيح، وكذلك يقال للصلاة استغفار لأنه يطلب بها المغفرة وتكون هذه الصلاة في السحر بدلاً من السحور إلى طلوع الفجر الثاني وقد أمر بها سلمان أخاه أبا الدرداء ليلة زاره في حديث طويل قال في آخره: فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم فقال له سلمان: نم، فنام ثم ذهب ليقوم فقال له: نم، فنام فلما كان عند الصبح قال له سلمان: قم الآن فقاما، فصليا، فقال: إن لنفسك عليك حقاً وإن لأهلك عليك حقاً وإن لربك عليك حقّاً وإن لضيفك عليك حقّاً فأعط كل ذي حق حقه، وذلك أن امرأة أبي الدرداء أخبرت سلمان أنه لاينام الليل، قال: فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال: صدق سلمان، وهذا الورد الخامس يشبه الورد السابع من النهار قبل الغروب في فضل وقتيهما وهذا قبل الفجر الثاني، والفجر الثاني هو انشقاق شفق الشمس وهو بدو بياضها الذي تحته الحمرة وهو الشفق الثاني على ضد غروبها، لأن شفقها الأول من العشاء وهو الحمرة بعد الغروب وبعد الحمرة البياض وهو الشفق الثاني من أول الليل وهو آخر سلطان الشمس، وبعد البياض سواد الليل وغسقه، ثم ينقلب ذلك إلى الضد فيكون بدو طلوعها الشفق الأول وهو البياض وبعده الحمرة وهو شفقها الثاني وهو أول سلطانها من آخر الليل وبعده طلوع قرص الشمس، والفجر هو انفجار شعاع الشمس من الفلك الأسفل إذا ظهرت على وجه الأرض الدنيا يستر عينها الجبال والبحار والأقاليم المسروقة العالية ويظهر شعاعها منتشراً إلى وسط السماء عرضاً مستطيراً فهذا آخر الورد الخامس وعنده يكون الوتر فإذا طلع الفجر فقد انقضت أوراد الليل الخمسة ودخلت أوراد النهار، فانظر هل دخلت في دخوله عليك في جملة العابدين أم خرج عنك وأنت فيه من الغافلين وتفكر أي لبسة ألبسك فإن الليل جعل لباساً هل ألبست فيه حلة النور بتيقظك فتربح تجارة لن تبور أم ألبسك الليل ثوب ظلمته فتكون ممن مات قلبه بموت جسده بغفلتك، ثم يقوم العبد حينئذ فيصلي ركعتي الفجر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت