فهرس الكتاب

الصفحة 805 من 922

وروينا عن وهب قال: قال مالك رضي اللّه عنه في رجل باع بعد النداء يوم الجمعة: يفسخ ذلك البيع، قيل: عامل ترك القيام إليها وهو حر: قال: يستغفر ربه، وقال ربيعة: ظلم وأساء وقال مالك: يحرم البيع حتى يخرج الإمام يوم الجمعة، وليجتنب الصانع عمل الزخرف من الأشياء وما يكون فيه لهو وزينة من التصاوير والنقوش وتخريم العاج ودقائق النقوش من العاج وتشييد الجص والتزويق بالأصباغ المشهاة، فإن عمل ذلك مكروه وأخذ الأجرة عليه شبهة، وقد كان بعض السلف يقول: تخيّروا لأولادكم الصنائع، وروي عن حذيفة: أنّ اللّه عزّ وجلّ خلق كل صانع وصنعته، وقد كانوا يكرهون بيع الطعام وبيع الدقيق، وقد روي في كراهة بيعها حديث عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.

وفي الخبر: أنّ اللّه عزّ وجلّ يحب العبد الحاذق في صنعته، وفي خبر آخر: أنّ اللّه عزّ وجلّ إذا عمل عبده عملاً أحبّ أنْ يحكمه، وفي لفظ آخر: أن يتقنه، وأوصى بعض العارفين رجلاً فقال: لا تسلم ولدك في بيعتين ولا في صنعتين، بيع الطعام وبيع الأكفان، فإنما يتمنى الغلاء ويتمنى موت الناس، والصنعتان أن يكون جزاراً فإنها صنعة تقسي القلب، أو صوّاغاً فإنه يزخرف الدنيا بالفضة والذهب.

وروى عثمان الشحام عن ابن سيرين أنه كره الدلالة، وسعيد عن قتادة أنه كره أجر الدلال، وكانت العرب تقول: بعْ الحيوان واشترِ الموتان كأنهم كرهوا ردّ الثمن في الحيوان لما يخافون من تفله واستحبوا شراء الموات وهو ما لا روح فيه، وقد كانوا يستحبون التجارة في البز، قال ابن المسيب: ما من تجارة أحبّ إليّ من البزاز إن لم يكن فيه إيمان، وقد روي خبراً آخر: لو اتّجر أهل الجنة لاتّجروا في البزّ، ولو اتّجر أهل النار لاتّجروا في الصرف، وقد كره الحسن وابن سيرين رضي اللّه عنهما التجارة في الصرف، وسئل الحسن عن الصيرفي فقال: الفاسق لا تستظلنّ بظله ولا تصلّين خلفه، والبستاني والحمّال والملاح وصاحب الحمام والخشاش والمزين وقد كانت هذه الصنائع العشر أعمال الأخيار والأبرار الخرز والتجارة والحمل والخياطة والحذو والقصارة وعمل الخفاف وعمل الحديد وعمل المغازل وصيد البر والبحر والوراقة.

وحدثونا عن عبد الوهاب الورّاق قال: قال لي أحمد بن حنبل: ما صنعتك؟ فقلت: ورّاق، فقال: كسبك طيب وصنعتك طيبة ولو كنت صانعاً شيئاً بيدي لصنعت صنعتك، وقال لي: لا تكتب إلاّ مواصفة واستثن الحواش وظهور الأجزاء، وكان مالك بن دينار ورّاقاً وكان السلف يستطيعون كسبه وبفضلونه، وكل عمل يتقربّ به إلى اللّه عزّ وجلّ ويكون من أعمال الآخرة ومن البرّ المعروف، فأخذ الأجر مكروه عليه مثل تعليم القرآن، وتعليم العلم، أو مجالس الذكر والصلاة بالناس في رمضان، وغسل الموتى، وما كان في هذا المعنى، لأن هذه تجارات الآخرة، فلا تأخذ أجرها إلاّ من الآخرة، ومن أخذها من الدنيا فقد خسر خسراناً مبيناً إذا ربح المحتسبون فيها وأخذوا أجورهم التي صبروا عليها في دار الدنيا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص: واتّخذ مؤذناً لا تأخذ على الأذان أجراً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت