فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 922

روينا عن وهيب بن الورد المكي قال كنت ذات ليلة أصلي في الحجر فسمعت كلامًا بين الكعبة والأستار يقول إلى اللّه تعالى أشكو ثم إليك يا جبريل ما ألقى من الطائفين حولي تفكههم في الحديث ولغوهم ولهوهم لئن لم ينتهوا من ذلك لأنتفضن انتفاضة يرجع كل حجر مني إلى الجبل الذي قطع منه.

وفي الخبر لا تقوم الساعة حتى يرفع الركن والمقام، وروي أن الحبشة يغزون الكعبة فيكون أولهم عند الحجر الأسود وآخرهم على ساحل البحر بجدة فينقضونها حجرًا حجرًا يناول بعضهم بعضًا حتى يرمونها في البحر وكذلك يذكر عن بعض الصحابة وقراء الكتب السالفة كأني أنظر حبشيًا أصلع أجدع قائمًا عليها يعني الكعبة هدمها بمعوله حجرًا حجرًا.

وفي الخبر استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع فقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة ورفعه الذي ذكرناه يكون بعد هدمه لأنه بيني من ذي قبل حتى يعود إلى مثل حاله ويحج مرارًا ثم يرفع بعد ذلك.

وروينا في حديث أبي رافع عن عليّ عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللّه تعالى: إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتي فخربته ثم أخرب الدنيا على أثره، وليس بعد مكة مكان أفضل من مدينة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والأعمال فيها مضاعفة، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلاّ المسجد الحرام، وكذلك قيل: إنّ فضل الأعمال بالمدينة كفضل الصلاة، كل عمل بألف عمل، وبعد ذلك الأرض المقدسة فإن فضل الصلاة فيها بخمسمائة صلاة، وكل عمل يضاعف بخمسمائة مثله، روينا عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: صلاة في مسجد المدينة بعشرة آلاف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وصلاة في المسجد الأقصى بألف صلاة، ثم يستوي الأرض بعد ذلك فلا يبقى مندوب إليه مقصود لفضل دلّ الشرع عليه، كما جاء في الخبر: لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى، وبعد ذلك فأي موضع صلح فيه قلبك، وسلم لك دينك، واستقام فيه حالك؛ فهو أفضل المواضع لك، وقد جاء في الخبر: البلاد بلاد اللّه تعالى، والخلق عباده، فأي موضع رأيت فيه رفقًا، فأقم واحمد اللّه تعالى.

وفي الخبر المشهور من حضر له في شيء فليلزمه ومن جعلت معيشته في شيء فلا ينتقل عنه حتى يتغير عليه، وقال نعيم: رأيت الثوري قد جعل جرابه على كتفه وأخذ قلته بيده، فقلت: إلى أين يا أبا عبد اللّه؟ فقال: إلى بلد أملأ فيه جرابي بدرهم، وفي حكاية أخرى: بلغني أنّ قرية فيها رخص فأخرج إليها، فقلت: وتفعل هذا يا أبا عبد اللّه؟ فقال: نعم، إذا سمعت في بلد برخص فاقصده فإنه أسلم لدينك، وأقلّ لهمّك، وكان يقول: هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخاملين فكيف بالمشهورين، هذا زمان تنقل الرجل ينتقل من قرية إلى قرية يفرّ بدينه من الفتن، وقد كان الفقراء والمريدون يقصدون الأمصار للقاء العلماء والصالحين، للنظر إليهم والتبرّك والتأدب بهم، وكان العلماء ينتقلون في البلاد، ليعلموا، ويردوا الخلق إلى اللّه تعالى، ويعرفوا الطريق إليه، فإذا فقد العالمون وعدم المريدون فالزم موضعًا ترى فيه أدنى سلامة دين وأقرب صلاح قلب وأيسر سكون نفس ولا تنزعج إلى غيره فإنك لا تأمن أن تقع في شرّ منه وتطلب المكان الأول فلا تقدر عليه، واللّه غالب على أمره ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت