ليس منا من لم يتغن بالقرآن أي يحسن به صوته وهو أحد الوجهين وأحبهما إلى أهل العربية، والوجه الآخر أي من لم يستغن به من الغنية والاكتفاء، وقد يقال: من هذا الوجه يتغانى به ومنها أن يسمع أذنيه ويوقظ قلبه ليتدبّر الكلام ويتفهم المعاني ولا يكون ذلك كله إلا في الجهر؛ ومنها أن يطرد الشيطان والنوم عنه برفع صوته، ومنها أن يرجو بجهره يقظة نائم فيذكر اللّه عزّ وجلّ، فيكون هو سبب إحيائه؛ ومنها أن يراه بطال غافل فينشط للقيام ويشتاق إلى الخدمة فيكون معاوناً له على البرّ والتقوى؛ ومنها أن يكثر بجهره تلاوته ويدوم قيامه على حسب عادته للجهر، ففي ذلك كثرة عمله، فإذا كان العبد معتقداً لهذه النيات طالباً لها ومتقرباً إلى اللّه سبحانه وتعالى عالماً بنفسه مصححاً لقصده ناظراً إلى مولاه الذي استعمله فيما يرضاه فجهره أفضل لأن له فيه أعمالاً وإنما يفضل العمل بكثرة النيات فيه وارتفع العلماء وفضلت أعمالهم بحسن معرفتهم بنيات العمل واعتقادهم لها فقد يكون في العمل الواحد عشر نيّات يعلم ذلك العلماء فيعملون بها فيعطون عشرة أجور وأفضل الناس في العمل أكثرهم نية فيه وأحسنهم قصداً وأدباً وفي بعض التفاسير في قوله عزّ وجلّ {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} الضحى:11، قال: قراءة القرآن.
وفي الخبر من استمع إلى آية من كتاب اللّه عزّ وجلّ كانت له نوراً يوم القيامة، وفي خبر آخر كتب له عشر حسنات والتالي شريك المستمع في الأجر لأنه أكسبه ذلك، وقال بعضهم: للقارئ أجر وللمستمع أجران، وقال آخر: للمستمع تسعة أجور وكلاهما صحيح، لأن كل واحد منهما على قدر إنصاته ونيته، فإذا كان التالي مكسباً لغيره هذه الأجور فإن له بكل أجر أكسبه إياه أجراً يكتسبه لقوله صلى الله عليه وسلم الدال على الخير كفاعله سيما إذا كان عالماً بالقرآن فقيهاً فيه فيكون مقراه ووقوفه حجة وعلماً لسامعه.
وفي الخبر أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان ينتظر عائشة رضي اللّه عنها فأبطأت عليه، فقال: ماحبسك؟ فقالت: يارسول اللّه كنت أستمع قراءة رجل ماسمعت صوتاً أحسن منه، فقام صلى الله عليه وسلم حتى استمع إليه طويلاً ثم رجع فقال: هذا سلام مولى أبي حذيفة الحمد للّه الذي جعل في أمتي مثله واستمع أيضاً ذات ليلة إلى قراءة عبد الله بن مسعود ومعه أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهم فوقفوا طويلاً ثم قال: من أراد أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود: اقرأ فقال يارسول اللّه أقرأ وعليك أنزل، فقال إني أحب أن أسمعه من غيري فكان يقرأ وعينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تفيضان وذلك عند قوله: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً، واستمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى قراءة أبي موسى فقال: لقدأوتي هذا مزماراً من مزامير داود فبلغ ذلك أبا موسى فقال: يا رسول اللّه لو علمت أنك تسمع إليّ لحبرت لك تحبيراً، وكان ابن مسعود يأمر علقمة بن قيس أن يقرأ بين يديه فيقول له: رتل فداك أبي وأمي، وكان حسن الصوت بالقرآن.
وفي الخبر كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا أحدهم أن يقرأ سورة من القرآن.