فهرس الكتاب

الصفحة 676 من 922

وروينا في الخبر: الإيمان ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون طريقة من لقي اللّه عزّ وجلّ بالشهادة على طريقة منها دخل الجنة، ومن هذا قوله عزّ وجلّ: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً} الإسراء:84 فدل أنهم كلهم مهتدون وبعضهم أهدى من بعض بمعنى أنه أقرب إلى اللّه عزّ وجلّ وأفضل، وقد ندب إلى القرب في الأمر بطلبه وأخبر عن المقربين بالمنافسة في طلب القرب فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ} المائدة:35 يعني القرب، وقال تعالى فيما أخبر: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} الإسراء:57 فأقرب الخلق من اللّه عزّ وجلّ أعلاهم عند اللّه عزّ وجلّ وأعلاهم عنده أعرفهم به وأفضلهم لديه.

وروينا في التفسير: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} الإسراء: 84، قال: على وحدانيته؛ يعني بذلك على توحيده الذي يوحد اللّه عزّ وجلّ به ويعرفه منه، والشاكلة الطريقة والخلق قد شاكله وقد شكل فيه ومن ذلك قول علي رضي اللّه عنه: لكل مؤمن سيد من عمله فهذا السيد من العمل هو الذي يرجو به المؤمن النجاة ويفضل به عند مولاه، وقال بعض العلماء: كان عباد الكوفة أربعة؛ أحدهم صاحب ليل ولم يكن صاحب نهار، والآخر صاحب نهار ولم يكن صاحب ليل، وبعضهم صاحب سر ولم يكن صاحب علانية، والآخر صاحب علانية ولم يكن صاحب سر، وقد كان بعضهم يفضل عبادة النهار على عبادة الليل لما فيها من مجاهدة النفس وكف الجوارح لأن النهار مكان حركة الغافلين وموضع ظهور الجاهلين فإذا سكن العبد عند حركة الغافلين وموضع ظهور الجاهلين كان هو التقي المجاهد والفاضل العابد، وقد قيل إن العبادة ليست الصوم والصلاة حسب بل أفضل العبادة أداء الفرائض واجتناب المحارم وتقوى اللّه عزّ وجلّ عند اكتساب الدرهم وهذا من أعمال النهار، وقد قال اللّه عزّ وجلّ: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ} الأنعام 60 رأى ماكسبت جوارحكم فعلق الاجتراح بالنهار ثم يبعثكم فيه فإذا لم يعلم من عبد اجتراحاً بالنهار ولم يبعثه فيه في مخالفة فمن أفضل منه؟ وكان الحسن يقول: أشد الأعمال قيام الليل بالمداومة على ذلك ومداومة الأوراد من أخلاق المؤمنين وطرائق العابدين وهي مزيد الإيمان وعلامة الإيقان وسئلت عائشة رضي اللَّه عنها عن عمل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالت: كان عمله ديمة وكان إذا عمل عملاً أتقنه وهذا كان سبب ما نقل عنه صلى الله عليه وسلم من صلاته بعد العصر ركعتين أنه كان ترك مرة ركعتي النافلة بعد الظهر شغله الوفد عن ذلك فصلاهما بعد العصر ثم لم يزل يصليهما بعد العصر كلما دخل منزله روت ذلك عنه عائشة وأم سلمة ولم يكن يصليهما في المسجد لئلا يستن الناس به.

وفي الخبر المشهور: أكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن اللَّه عزّ وجلّ لا يملّ حتى تملوا، وفي الحديث الآخر: أحب الأعمال إلى اللَّه عزّ وجلّ ما ديم عليه وإن قل، وقد روينا في خبر: من عوَّده اللَّه عزّ وجلّ عبادة فتركها ملالة مقته اللَّه تعالى، وفي خبر عن عائشة رضي اللَّه عنها وقد أسنده بعض الرواة من طريق كل يوم لا أزداد فيه علماً فلا بورك لي في صباح ذلك اليوم، وقد جاء في الخبر كلام تارة يروى عن الحسن بن علي وتارة يروى عن الحسن البصري ومرة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سمع يقول من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان يومه شرًّا من أمسه فهو محروم ومن لم يكن في مزيد فهو في النقصان وفي لفظ آخر من لم يتفقد النقصان من نفسه فهو في نقصان ومن كان في نقصان فالموت خير له ولعمري إن المؤمن شكور والشاكر على مزيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت