وقال بعض السلف: أقرب الناس من النفاق من يرى أنه أبعدهم منه عند نفسه.
وفي الخبر: أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان جالساً في جماعة من أصحابه فذكروا رجلاً ومدحوه وأحسنوا الثناء عليه، فبيناهم كذلك إذ طلع عليهم الرجل يقطر وجهه ماء من أثر الوضوء قد علق نعليه بيديه وبين عينيه أثر السجود فقالوا: يا رسول اللّه هذا هو الرجل الذي وصفنا لك آنفاً، فلما نظر إليه صلى الله عليه وسلم قال: أرى على وجهه سفعة من الشيطان، يعني ظلمة، فجاء الرجل حتى سلم وجلس مع القوم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: نشدتك اللّه هل حدثت نفسك حين أشرفت على القوم أنه ليس فيهم خير منك؟ فقال: اللهم نعم، في الحديث: من قال إني مؤمن فهو كافر، ومن قال إني عالم فهو جاهل، ومن قال إني في الجنة فهو في النار، وعلّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي اللّه تعالى دعاء قال: قل فيه: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم، وجاء في الخبر: الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا، وكان من دعاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: إني أستغفرك لما علمت وما لم أعلم، فقيل له: أتخاف يا رسول اللّه؟ قال: وما يؤمنني والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وقال اللّه تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} الزمر: 74، قيل: عملوا أعمالاً ظنوا أنها حسنات، فلما كان عند الحساب والميزان وجدوها سيّئات، وقيل كانت هذه الآية مبكاة العابدين، وقيل في معنى قوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} الأنعام: 115، وقيل: صِدْقاً لمن مات على الإيمان وعدلاً لمن مات على الشرك كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} يونس: 96 - 97، وقال سبحانه: {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} المؤمنون: 63، وقال: {يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ} الأعراف: 37، وقال: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ} هود: 9، 1، وقال: {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} الحج: 41، وقال: {لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} النمل: 65، فالاستثناء في الإيمان هو من الإيمان، والاستثناء في كل شيء من علامة الأولياء، والإشفاق من الشرك والنفاق، هو من مزيد الإيمان لئلا يسكن العبد إلى شيء ولا يزكي نفسه بشيء، وقال سري السقطي: لو أنّ رجلاً دخل إلى بستان فيه من جميع الأشجار عليها من جميع الأطيار فخاطبه كل طير منها بلغة فقال السلام عليك يا ولي اللّه فسكنت نفسه إلى ذلك كان أسيراً في أيديها.