فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 922

وكذلك قوله في أوّل السورة: {لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} الأنفال:74 كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ليس هذا من صلة الكلام إنما هو مقدم ومتصل في المعنى بقوله: {قُلِ الأَنفَالُ للَّهِ وَالرَّسُولِ} الأنفال:1 و {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} الأنفال:5، أي فصارت أنفال الغنائم لك إذ أنت راضٍ بإخراجك وهم كارهون فاعترض بينهما الأمر بالتقوى والإصلاح والوصف بحقيقة الإيمان والصلاح فأشكل فهمه، وعلى هذا قوله عزّ وجلّ: {حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} الممتحنة:4 إنما هو موصول بقوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} الممتحنة:4 لأنها نزلت في قولهم فقد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك عند قوله: لأستغفر لك ربّي فقالوا: فهلاّ نستغفر لآبائنا المشركين، فنزلت هذه الآية ليستثني القدوة في إبراهيم في هذا ثم نزلت الآية الأخرى معذرة له أوعده إياه إلى أن علم موته على الكفر فقال وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه الآية، وكذلك قوله عزّ وجلّ: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} المائدة:3، وهذا متصل بقوله: {حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} النحل:115 إلى آخر المحرمات، ثم قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} المائدة:3 يعني مجاعة ومثل ما ذكرناه من علم القرآن كثير وإنما نبهنا بيسير على كثير ودللنا بنكت على جم غفير ليستدل بما ذكرناه على نحوه ويتطرق به إلى مثله وهذا كله على ضروب كلام العرب ومعاني استعمالهم ووجوه استحسانهم أنه في كلامهم المطوّل للبيان والمختصر للحفظ والمقدم والمؤخر للتحسين وكله فصيح بليغ، لأن وصف البلاغة عندهم رد الكثير المنثور إلى القليل المجمل وبسط القليل المجمل إلى المبثوث المفسر فالمقصر من الكلام عندهم مع الحاجة إلى المعاني المتفرقة عجز والمطول منه مع الاكتفاء بالمعنى الجامع منه عيّ، فلما خاطبهم بكلامهم أفهمهم بعقولهم ومستعملاتهم ليحسن ذلك عندهم فيكون حجة عليهم من حيث يعقلون لأنه أمرهم بما يعلمون وما يستحسنون حكمة منه ولطفًا، فذلك أيضًا على هذه المعاني يفهم الخصوص من مكانهم ومشهدهم على علوّ مقامهم في مكان ما أظهر لهم من العلم به ونصيب ما قسم لهم من العقل عنه، فهم متفاوتون في الأشهاد والفهوم حسب تفاوتهم في الأنصبة من العقول والعلوم إذ القرآن عموم وخصوص ومحكم ومتشابه وظاهر وباطن؛ فعمومه لعموم الخلق، وخصوصه لخصوصهم وظاهره لأهل الظاهر وباطنه لأهل الباطن واللّه واسع عليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت