لا تخدعنّ فللمحبّ دلائل ... ولديه من تحف الحبيب وسائل
منها تنعّمه بمر بلائه ... وسروره في كل ما هو فاعل
فالمنع منه عطية مقبولة ... والفقر إكرام ولطف عاجل
ومن اللطائف أن يرى من عزمه ... طوع الحبيب وإنّ ألحّ العاذل
ومن الدلائل أن يرى متبسّماً ... والقلب فيه من الحبيب بلابل
ومن الدلائل أن يرى متفهّماً ... لكلام من يحظى لديه السائل
ومن الدلائل أن يرى متقشفاً ... متحفظاً من كل ما هو قائل
والذي رويناه عن يحيي بن معاذ:
ومن الدلائل أن تراه مشمراً ... في خرقتين على شطوط الساحل
ومن الدلائل حزنه ونحيبه ... جوف الظلام فما له من عاذل
ومن الدلائل أن تراه مسافراً ... نحو الجهاد وكل فعل فاضل
ومن الدلائل زهده فيما يرى ... من دار ذل والنعيم الزائل
ومن الدلائل أن تراه باكياً ... أن قد رآه على قبيح فاعل
ومن الدلائل أن تراه مسلماً ... كل الأمور إلى المليك العادل
ومن الدلائل أن تراه راضياً ... بمليكه في كل حكم نازل
ومن الدلائل ضحكه بين الورى ... والقلب محزون كقلب الثاكل
والذي رويناه عن أبي سعيد الخراز دخل فيما ذكرناه عنهما، وأحسب أنه أخذه منها لأنهما أقدم منه، إلا أنّ قوله كان أحد عشر بيتاً فقط، وجميع ما قدمنا ذكره من العلامات والدلالات هي أوصاف المحبين، وكل محبّ للّه فعن محبة اللّه، لأنّ وجود العبد لمحبته للّه علامة غيب محبة اللّه له، يبين ذلك الغيب له في هذه الشهادة إلاّ أنّ في المحبة مقامين، مقام تعريف ومقام تعرّف، فمقام التعريف هومعرفة العموم وهذا قبل المحبة الخاصة، ومقام التعرّف معرفة الخصوص وهذا بعد محبة العموم، وهو مزيد الحبِ الأول، وهذا محبة خصوص، وكذلك في المحبة مقامان، مقام محبّ وأعلى منه مقام محبوب، وهذا كما عبروا عن قولهم مريد ومراد، وعلى الحقيقة كل مريد للّه فهو مراد بذلك، إلا أنهم جعلوا اسم مراد بوصف مخصوص بعرف به فيمتاز معه المبتدئ من المبادئ، والمنيب من المجتبي، والطالب من المطلوب، والراغب من المرغوب، والحافظ من المحفوظ، فكذلك لعمري ليس الحامل مثل المحمول، ولا الزائر كالمزور ولا الاشتياق كالحضور، ولا المحبّ مثل المحبوب، قال أبو موسى الدبيلي: عرضت على أبي يزيد البسطامي كتاب صاحبنا عبد الرحيم في الإخلاص فما أعجبه منه إلاّ حكاية أبي عاصم الشامي في الشوق، يعني أنّ عبد الرحيم ذكر الإخلاص في كتابه فقال: قيل لأبي عاصم وافد أهل الشام يشتاق إلى اللّه، فقال: لا، قيل: ولِمَ؟ قال: إنما يشتاق إلى غائب، فإذا كان الغائب حاضراً فإلى مَنْ يشتاق؟ قلت: سقط الشوق، وهذا مقام محبوب، وفي المشاهدة مقامان؟ مقام شوق ومقام أنس، فالشوق حال من القلق والانزعاج عن مطالعة العزة ومعاينة الأوصاف من وراء حجاب الغيب بخفايا الألطاف، وفي هذا المقام الحزن والانكسار، والأنس حال من القرب عن مكاشفة الحضور بلطائف القدرة، ففي هذا المقام السرور والاستبشار، وقال ضيغم: عجيب للخليقة كيف أرادت بك بدلاً، وعجبت لهاكيف أنست بسواك، وقال الجنيد: علامة كمال الحبّ دوام ذكره في القلب بالفرح والسرور والشوق إليه والأنس به، وأثرة محبة نفسه، والرضا بكل ما يصنع وعلامة أنسه باللّه استلذاذ الخلوة، وحلاوة المناجاة، واستفراغ كله حتى لا يكاد يعقل الدنيا وما فيها، ولا يحمل هذا على الأنس بالخلق، فيرتب على مدراج المعقول، كما لا يحمل المحبة على محبة الخلق فيكون بمعاني العقول، لأنّه حال منها، أو إنما هو طمأنينة وسكون إليه، ووجد حلاوة منه، واستراحة وروح بما أوجدهم، وقد أنكر الأنس من لا مقام له فيه، كما أنكر المحبة أيضاً من لا معرفة له بها لأنه تخيّل فيه محبة المخلوق، وتمثل لها صفاتهم، فقال: لا يعرف المحبة ولا يعقلها إلاّ لمخلوق وليس إلا الخوف والهيبة، وممن ذهب إلى هذا القول: أحمد بن غالب المعروف بغلام خليل، أنكر على الجنيد وأبي سعيد والثوري كلامهم في المحبة، وليس هذا مذهب السلف ولا طريقة العارفين، كتب عامر بن عبد اللّه إلى بعض إخوانه: آنسك اللّه بنفسه، وقيل لإبراهيم بن أدهم وقد نزل من الجبل: من أين أقبلت؟ قال: من الأنس باللّه وأنشدونا لبعض العارفين: