وروينا عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّ اللّه يعطي الدنيا من يحبّ ومن لا يحبّ، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب، فالمؤمنون متزايدون في الحبّ للّه عزّ وجلّ عن تزايدهم في المعرفة به والمشاهدة له، وقد جعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الحبّ للّه من شرط الإيمان قال: أن يكون اللّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وفي حديث: لا يؤمن أحدكم حتى يكون اللّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وفي خبر آخر أشدّ توكيداً وأبلغ من هذين قوله: واللّه، لا يؤمن العبد حتى أكون أحبّ إليه من أهله وماله والناس أجمعين، وفي خبر آخر: ومن نفسك، وقد أمر صلى الله عليه وسلم بالمحبة للّه فيما شرعه من الأحكام فقال أحبّوا اللّه لما أسدى إليكم من نعمه، وأحبّوني لحبّ اللّه، فدلّ ذلك على فرض الحبّ للّه وإنّ تفاضل المؤمنون في نهايات فضائله، ومن أفضل ما أسدى إلينا من نعمه المعرفة به، فأفضل الحبّ له ما كان عن المشاهدة، والمحبون للّه على مراتب من المحبة؛ بعضها أعلى من بعض، فأشدهم حبّاً للّه أحسنهم تخلقاً بأخلاقه مثل العلم والحلم والعفو وحسن الخلق، والستر على الخلق، وأعرفهم بمعاني صفاته وأتركهم منازعة له في معاني الصفات كي لا يشركوه فيها، مثل الكبر والحمد وحب المدح وحب الغنى والعز وطلب الذكر، ثم أشدهم حبّاً لرسوله إذ كان حبيب الحبيب وأتبعهم لآثاره أشبعهم هدياً لشمائله، وقد روي أنّ رجلاً قال: يا رسول اللّه إني أحبك فقال: استعد للفقر فقال: إني أحبّ اللّه فقال: استعد للبلاء، والفرق بينهما أن البلاء من أخلاق المبلي وهو اللّه تعالى المبتلي، فلما ذكر محبته أخبره بالبلاء ليصبر على أخلاقه، كما قال تعالى: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} المدثر:7 فدل على أحكامه وبلائه، والفقر من أوصاف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فلما ذكر محبته دله على اتباع أوصافه ليقتفي آثاره لقوله عليه السلام: أحيني مسكيناً وأْتِني مسكيناً واحشرني في جملة المساكين، ومن علامة المحبة كثرة ذكر الحبيب، وهو دليل محبة المولى لعبده وهو من أفضل مننه على خلقه.
وفي الخبر أنّ للّه في كل يوم صدقة يمنّ بها على خلقه، وما تصدق على عبد بصدقة أفضل من أن يلهمه ذكره.