فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 922

وقد روينا: من دعا على ظالمه فقد انتصر، وأكثر بعضهم بشتم الحجاج عند بعض السلف فقال له: لا تغرق في شتمته فإن اللّه ينتصف للحجاج ممن انتهك عرضه كما ينتصف منه لمن أخذ ماله.

وفي الخبر أن العبد ليظلم المظلمة، فلا يزال يشتم ظالمه ويسبّه حتى يكون بمقدار ماظلمه، ثم يبقى للظالم عليه مطالبة بما زاد عليه يقتصّ له من المظلوم، وقال بعض العلماء لرجل وقد كان شكا إليه قطع الطريق وأخذ ماله فقال له: إن لم يكن غمك أنّه قد صار في المسلمين من يستحلّ هذا أكثر من غمك بمالك فما نصحت للمسلمين، وسرقت من علي بن الفضيل دنانير وهو يطوف بالبيت فرآه أبوه وهو يبكي ويحزن فقال: أعلى الدنانير تبكي؟ فقال: لا واللّه، ولكن على المسكين، أنه يسأل يوم القيامة بهم ولا يكون له حجة، وقيل لبعضهم في معنى هذا: ادع على من ظلمك، فقال: إني مشغول بالحزن عليه عن الدعاء عليه؛ فإن ردّ عليّ المتوكّل كلّ ما أخذ منه فالأفضل له أن لا يتملّكه، إن كان قد جعله في سبيل اللّه ليمضي السبيل، فإن كان قد جعله صدقة على الآخذ نظر في ذلك فإن كان فقيراً حمله فقره على السرقة والخيانة والحاجة أمضى صدقته عليه، وإن كان غير ذلك صرفها إلى فقير، وقد كان بعضهم إذا أخذ له الشيء يشترط فيقول: إن كان فقيراً فهو صدقة عليه، وإن كان محتاجاً فهو في حلّ، وقد أخبرني بعض الأشياخ عن شيخ كان بمكة من العباد أنّه اتهم بعض الحجاج بسرقة هميانه لأنه كان قائماً إلى جانبه، فقال له: كم كان فيه فأخبره، فحمله إلى منزله فوزن له من المال، ثم إنّ أصحابه أعلموه أنهم مزحوا معه وحلّوا هميانه وهو نائم، فجاء هو وأصحابه إليه فردّوا عليه ماله، فقال: ما كانت لتعود إليّ بعد إذ خرجت هي لكم، فقلنا: لاحاجة لنا فيها فقال: خذوها، قال: فأبينا، فقال: يا بني، ودعا ابناً له وجعل يصرّها صرراً ويبعث بها إلى قوم حتى فرغ منها، وهذا كانت نيته إخراجها للّه سبحانه فلم يعد فيما أخرجه، كما نقول فيمن أخرج رغيفاً إلى سائل أو أعدّ درهماً لفقير فلم يصادفه: إنّا نستحب أن لا يرجع إلى ملكه بل يعزله لسائل آخر أو فقير غيره، لم يزل هذا من أخلاق المؤمنين، وقد رأينا من كان بهذا الوصف وهذا طريق قد عفا أثره ودرس خبره، فمن عمل به فقد أحياه وأظهره وقد كان قديماً طريقاً إلى اللّه تعالى عليه السابلة من الأولياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت