بسخطه ما حوّله اللّه من خزانته التي هي في يده إلى خزانته الأخرى التي هي في يد غيره، إذ قد علم أن يده خزانة مولاه، وأنّ ما حوله منها لم يكن له وإنما كان قد استودعه، فحزن وساءه حين استرجع منه ما أودعه وأعاره وأودعها غيره أو دفعها إلى من هي رزقه، وكانت له من قبل، أنّ المتوكل قد علم أن اللّه تعالى، إذا وهب شيئاً من الدنيا للأجسام من الملك وشيئاً من الآخرة من الملكوت وصار ذلك رزقاً للمتوكّل في آخرته، فآثر لضعف يقينه رزق دنياه على رزق آخرته لنقصان زهده، ليس ذلك، إلا للطمع فيه، وفضل الرغبة والشره إذ قد علم أن ما أخذ منه كان وديعة لغيره عنده، فهذه كلها ذنوب عند المتوكّلين موجبات للتوبة والاستغفار عند الموقنين، من قبل أن المتوكّل قد علم أن اللّه إذا وهب شيئاً من الملك في الدنيا للأجسام أو شيئاً من ملكوت الآخرة في القلوب، لم يأخذه أبداً؛ فما كان في الدنيا بقي لصاحبه إلى آخر أثره حتى يفنيه ويبليه، وما وهبه من الآخرة من الإيمان والعلم والعمل لم يأخذه أبداً بل ينميه ويزيده فيه إلى أبد الأبد في دار الأبد، ولكن قد يعير ويستودع من أمور الدنيا وأمور الآخرة، فهذا النوع لا بدّ أن يسترده ويسترجعه في الدنيا لأن حكمته أوجبت ردّه كما أوجب كرمه تبقية ما وهبه، فلا ينبغي للمتوكّل الموقن ما ذكرناه أن يحزنه ما حول اللّه من خزانته التي في يده مما أعاره واستودعه إلى خزانته الأخرى التي هي يد غيره، ممن لعلّه يهبه له أو يبتليه بأحكامه فيه، فيخرج أيضاً من يده إلى يد غيره لأنه ما خرج من الدار شيء، وللّه حكمة وابتلاء في كل شيء؛ فالحزن والأسف على فوت مثل هذا عند العارفين جناية، ومن المؤمنين خيانة، يستغفرون اللّه ويتوبون إليه كما يتوبون من المعاصي، لأنهم قد شهدوا ما بيّناه ولأنه قد أمرهم بترك الأسى على فائت الدنيا وقلة الفرح بما أتى منها، إذ لا بدّ من كونهما لأنه قد علمه وبعد علمه قد كتبه وبعد كتبه قد أعلم به، فكشف لهم اليقين عن الكتاب المستبين؛ أنّ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، فما ظهر من المصائب في الأموال والأنفس فقد سبق قبل خلق الخلق، وهذا قوله تعالى: {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} الحديد:22، قيل: من قبل أن نخلق الخليقة وقبل أن نبرأ الأرض وقيل: من قبل أن نبرأ الأنفس، وقيل: من قبل أن نبرأ المصيبة، ثم قال تعالى: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ}