وقد جاء في الخبر: آخر من يخرج من النار وهو أيضاً آخر من يدخل الجنة، فلعله واللّه أعلم بعد سبعة آلاف سنة فيعطى من الجنة مثل الدنيا كلها عشرة أضعاف، رواه أبو سعيد وأبو هريرة رضي اللّه تعالى عنهم عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ومعنى الحكمة في إدخال البشر إلى النار على ترتيب الكون أنهم خلقوا من ماء ثم خالطه ما امتزج به من الأهواء فلا يستخرج ذلك إلاّ بالنار، فإنها تخرج الماء مما مازجه حتى يخلص، وأنهم أيضاً خلقوا من تراب الأرض بمنزلة الخشب المعوجّ يقوم بالنار حتى يستقيم، ثم يقطع عنه النار ويستقيم ذلك فعندها يصلح لغير النار وموضع الحكمة في تخليد الكافرين والشياطين في النار أنّ أرواحهم خلقت من جوهر النار فرجعت إلى معدنها، وهي أيضاً سوداء مظلمة نارية، وهم أيضاً خلقوا لها لا يصلحون لغيرها بمنزلة الحطب والشوك والحراق الذي لا يصلح إلاّ للنار، فتبارك اللّه تعالى حكمته معتدلة في الأشياء وحكمه غامض فيها، ينظر بعين التعديل فيقسم بها المقادير بمعاني التنقيص والتفضيل، ومجمل ما ذكرناه أنّ كل وصف يكون للعبد من الخير كفر عنه سيّئاته، فإن نوافله ساقطة وكل وصف يكون له من الشرّ لا يحبط نوافله، فإن نوافله موفرة ثابتة ومن كان عاملاً للحسنات وهو في ذلك يرتكب بعض الكبائر فإن أعمال برّه وفضائله موقوفة إلى التوبة، فإن تاب واستقام كفرت توبته ما سلف من كبائره وبدلت استقامته على الطاعة سيّئاته حسنات، وأكثر ما يوبق الناس من الكبائر المظالم، وأكثر ما يدخلهم النار ذنوب غيرهم إذا طرحت عليهم وكثير يدخلون الجنة بحسنات غيرهم إذا طرحت عليهم لأنها صحيحة ثابتة، وقد تبطل حسناتهم لدخول الآفات عليها، بلغني عن أبي عبد اللّه بن الجلاء أنّ بعض إخوانه اغتابه ثم أرسل إليه ليستحلّه فقال: لا أفعل، ليس في صحيفتي حسنة أفضل من حسناته، أريد أن أزين صحيفتي بها، وفي الحديث: ذنب يغفر وذنب لا يترك؛ فالذنب الذي يغفر ظلمك نفسك، والذنب الذي لا يترك مظالم العباد؛ والتوبة طريق الكل، والرحمة تسعهم، وباب التوبة مفتوح للكافة إلى طلوع الشمس من مغربها، وكل عبد توبته متقبلة ما لم تبلغ الروح الحلقوم ولم يعاين الملائكة فإذا بلغت الروح التراقي وعاينت الأملاك غلق عليه باب التوبة ومات على الإصرار، وقيل: من راق أي من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وظن أنه الفراق أيقن أنه قد فارق الدنيا بمعاينة الآخرة وفارق الناس والأهل بمعاينة الملائكة، فإن مات عن غير توبة كان ممن قال اللّه عزّ وجلّ: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} سبأ: 54 قيل: التوبة كما فعل بأشياعهم من قبل.