وجاء رجل إلى بشر بن الحارث فقال: إني قد عزمت على سفر إلى الشام وليس عندي زاد فما ترى؟ فقال: يا هذا اخرج فيما قصدت له، فإن لم يعطك ما ليس لك لم يمنعك ما لك.
وشكا رجل إلى فضيل حاله فقال يا هذا مدبّر غير اللّه تريد؟ وكان الحسن يقول: التوكّل هو الرضا، وفي تفسير قوله عزّ وجلّ: {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} فصلت:10 قال: خلق الأرزاق قبل الأجسام بألفي عام فالمتوكّل لا يطالب مولاه برزق غد كما لا يطالبه مولاه بعمل غد، فأما المتوكّل في المضمون من الرزق المعلوم من القسم فهو توكّل العموم يستحي الخصوص من ذكره، ويتكرمون عن نشره إذا كان اللّه تعالى قد أقسم بنفسه أن الرزق في السماء حقّ، كما أقسم بنفسه أن كلامه حق، فجمع بينهما في الحقيقة بالقسم بالذات دون سائر الأفعال لتسكن بذلك نفوس الخليقة عن النظر إلى الأدوات، ليرتفع الشكّ فيهما ويحصل اليقين بحقيقتهما، فقال سبحانه: {فَوَرَبِّ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} الذاريات:23 كما قال تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} يونس:53 وليس في القرآن قسم بالذات فيما سبرناه إلا خمسة: القسم الذي في سورة النساء على تسليم الأحكام {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} النساء:65 الآية، وفي سورة التغابن على بعث الكافرين وأبنائهم {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} التغابن:7 وفي سورة المعارج من {سَأَلَ سَآئِلٌ} المعارج:1 في تبديل الخلق خلقاً خيراً منهم {فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} المعارج:40 إلى قوله: {بِمَسْبُوقِينَ} المعارج:41 وهذان القسمان المتقدمان وسائر الأقسام بالأفعال، ولأن العبد قد وكل برزقه من يقوم له به من الخلق، فإن لم يرزق من كسبه وعن يده رزق من كسب غيره ويده، ولكن شغل الخصوص بأعمال الآخرة، وما يفوتهم من القربات إلى اللّه عزّ وجلّ، وبالخدمة للمولى الذي وكلّ إليهم، فإن لم يقوموا به لم يقم به غيرهم لهم، ولم ينب غيره من الدنيا منابه، لقوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} النجم:93، وقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ} {لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} الغاشية:8 - 9 ولقوله تعالى: {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} الأعلى:71، وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ} الأنفال:76 ولقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} الشورى:، 2، ولم يقل هذا في أرزاق الدنيا، ومعنى الزيادة أن لا يحاسبه على ما يعطيه من الدنيا إذ لا زيادة في القسم.
وقد قيل: إن اللّه تعالى يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا، وهذا لعلوّ الآخرة ودناءة الدنيا، وكان عليّ رضي اللّه عنه يقول: إلا أن حرث الدنيا المال، وحرث الآخرة العمل الصالح، وقد قيل: إن الزيادة في الآخرة رفعة الدرجات لمن كانت نيّته وقصده ولها يعمل، فشغل الخصوص بما وكلّ إليهم وبما لا يعمله غيرهم لهم عمّا تكفّل به لهم، فأقيم غيرهم فيه مقامهم وناب أيضاً عنه مثله من أسباب دنياهم.
وتوكّل الخصوص أيضاً في الصبر على الأذى من القول والفعل، إذ كان أمر بذلك الرسول في قوله تعالى: {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} المزمل:9 - 1 مع قول الرسل عليهم السلام: ولنصبرنّ على ما آذيتمونا وعلى اللّه فليتوكّل المتوكّلون، وكذلك أمر نبيّه عليه السلام لما قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} الأنعام:90 فأمره باتباعهم وقال: {وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} إلى قوله: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} الاحقاف 35.