ومن ذلك ما قال لقمان لابنه: للإيمان أربعة أركان: لا يصلح إلا بهنّ كما لا يصلح الجسد إلا باليدين والرجلين: التوكّل على اللّه، والتسليم لقضائه، والتفويض إلى اللّه، والرضا بقدر اللّه، فحال المتوكّل سكون القلب عن الاستشراف إلى العبيد والتطلّع وقطع الهمّ عن الفكرة فيما بأيديهم من التطمّع، عاكف القلب علّي المقلب المدبر، مشغول الفكر بقدرة المصرف المقدر، لا يحمله عدم الأسباب على ماحظرّه العلم عليه وذمّه، ولا يمنعه أن يقول الحق وأن يعمل به أو يوالي في اللّه ويعادي فيه جريان الأسباب على أيدي الخلق، فيترك الحق حياءً منهم أو طمعاً فيهم أو خشيةَ قطع المنافع المعتادة، ولا تدخله نوازل الحاجات وطوارق الفاقات في الانحطاط في أهواء الناس والميل إلى الباطل أو الصمت عن حقّ لزمه، أو يوالي في اللّه عدوَّاً أو يعادي ولياً، ليرب بذلك حاله عندهم، أو يشكر بذلك ما أسدوه إليه بالكفّ عنهم، ولا يرب الصنعة التي قد عرف بها لنظره إلى الصانع، ولا يتصنّع لمصنوع دخله لعلمه بسبق الصنع لدوام مشاهدته، ولا يسكن إلى عادة من خلق، ولا يثق بمعتاد من مخلوق؛ إذ قد أيقن برزقه ونفعه وضرّه من واحد، فهذه المعاني من فرض التوكّل، فإن وجدت في عبد خرج بها عن حدّ التوكّل دون فضائله وتدخّله في ضعف اليقين، وقد كان الأقوياء إذا دخل عليهم شيء من هذه الأهواء المفسدة لتوكّلهم، قطعوا تلك الاسباب، وحسموا أصولها واعتقدوا تركها، وعملوا في مفارقة الأمصار والتغرّب عن الأوطان وترك الآلاف والإيلاف، فأخرجوا ذلك من حيث دخل عليهم، ووضعوا عليه دواءه وضده من حيث تطرق إليهم، حتى ربما فارقوا ظاهر العلم وخالفوا علم أهل الظاهر إلى علوم الباطن وحكم مشاهدتهم وقيامهم بحقّ أحوالهم، إذ ليس أهل الظاهر حجة عليهم في شيء إلا وهم عليه حجة في مثله، لأن الإيمان ظاهر وباطن، والعلم محكم ومتشابه، ولأن أهل الحق أقرب إلى التوفيق وأوفق لإصابة الحقيقة، كل ذلك رعاية لصحة توكّلهم ووفاء بحسن عهدهم وعملاً بأحكام حالهم لئلا تسكن قلوبهم لغير اللّه، ولا تقف هممهم مع سوى اللّه، ولا تطمئن نفوسهم إلى غيره، ولا يتخذوا سكناً سواه، ولا يسكنوا إلى أهواء النفوس وينخدعوا لسكونها عن سكون القلب، فيسيء ذلك يقينهم ويوهن إيمانهم الذي هو الأصل، ويستأسر قلوبهم التي هي المكان للكشف والشهادة، فيخسروا رأس المال فتفوتهم حقيقة الحال، فماذا يرتجون وبأي شيء يقومون؟ وهذا لا يفطن له إلا العاقلون ولا تشهده العيون.