فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 922

وندمان أخي ثقة ... كان حديثه خبره

يسرك حسن ظاهره ... وتحمد منه مختبره

فساعد خله كرما ... وفي أخلاقه أثره

ويطوى سوءَة أبداً ... وحسناً إن طوى نشره

ويستر عيب صاحبه ... ويستر أنه ستره

وقال بعض العلماء: لا تصحب إلاّ أحد رجلين: رجلاً تتعلم منه شيئاً من أمر دينك فينفعك، أو رجلاً تعلمه شيئاً من دينه فيقبل منك، والثالث هرب منه، وقال ابن أبي الحواري: قال لي أستاذي أبو سليمان: يا أحمد لا تصحب إلاّ أحد رجلين: رجل ترتفق به في دنياك، أو رجل تزيد معه وتنتفع به في آخرتك، والاشتغال بغير هذين حمق كبير.

وكان المأمون يقول: الإخوان ثلاثة: أحدهم مثله مثل الغذاء لا يستغنى عنه، والآخر مثله مثل الدواء يحتاج إليه في وقت، والثالث مثله مثل الداء لا يحتاج إليه فالعبد مبتلي بهذا الثالث وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع عنده، والأول نعمة من اللهّ سبحانه وتعالى على العبد، فيه أُلفة وأنس ومعه غنيمة ونفع.

وكان أبو ذر يقول: الوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خير من الوحدة، وقال بشر بن الحارث: يكون للرجل ثلاثة إخوان: أخ لآخرته، وأخ لدنياه، وأخ يأنس به، فأخبر أنّ أخ المؤانسة قد لا يكون متقرّباً عابداً، وأنّ الأنس مخصوص يقال: لا يوجد إلاّ في كريم، وكان يوسف بن أسباط يعزز من فيه أنس من الإخوان، فكان يقول ما في المصيصة ثلاثة يؤنس بهم، واعلم أنّ الأنس لا يوجد في كل عالم، ولا في كل عاقل، ولا في كل عابد زاهد، ويحتاج الأنس ألى وجود معان تكون في الولي، فإذا اجتمعت فيه كمل فيه الأنس، وارتفعت عنه الوحشة والحشمة، ومن لم تكن فيه لم يوجد فيه أنس، ومن لم تكمل فيه وجد فيه بعض الأنس، وإذا حصل الأنس ففيه الروح من الكروب والاستراحة من الغمّ والسكون وطمأنينة القلب، فكذلك عزّ من يوجد فيه الأنس لعزة خصاله وهي سبع: علم وعقل وأدب وحسن خلق وسخاء نفس وسلامة قلب وتواضع، فإن فقد بعضها لم يجد خلاً يأنس بكماله، من قبل أن أضّدادها وحشة كلها لأن الجاهل لا أنس فيه، والأحمق لا أنس به، والبخيل سئ الخلق لا أنس عنده، والخبيث والمتكبر لا أنس معه فاعرف هذا.

وروينا عن الأصمعي أنه ذكر عن بعض الحكماء قال: عاملوا أحرار الناس بمحض المودة، وعاملوا العامة بالرغبة والرهبة، وسوسوا السفلة بالمخافة، ومثل جملة الناس كمثل جملة الشجر، منهم من له ظل ليس فيه ثمر وهذا الذي فيه نفع من الدنيا ولا ثمرة له في العقبى، ويحتاج إليه في وقت، ومنهم من فيه ثمر وليس له ظل وهذا يصلح للآخرة ولا يصلح للدنيا، ومنهم من فيه ظل وثمر، فهذا الذي يصلح للدين والدنيا وهو أعزها، ومنهم من لا ظل له ولا ثمر وهذا هو الذي لا يحتاج إليه، فمثله في الشجر مثل شجر الغضا وهو شوك البرية التي تسميه العامة أم غيلان، تمزق الثياب لا طعام فيه ولا شراب، فهؤلاء من الناس من يضرّ ولا ينفع ويكثر ولا يدفع، مثله كما قال الله تبارك وتعالى: {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} الحج: 13، ومثله في الدواب مثل الفأرة والعقرب، وقد قيل في وصفهم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت