فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 922

إن أخاك الحق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك

ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت شمل نفسه ليجمعك

ولا تصحّ مؤاخاة مبتدع في اللّه تعالى، ولا محبة فاسق يصحب على فسوقه، ولا محبة فقير أحب غنياًِ لأجل دنياه، ولا ما يناله من عاجل مهناه، وقد تصح المحبة بين الغني والفقي، وتوجد الأخوة إنْ لم يقم الغني بحقوق أخيه، إذا آثره أخوه بما يحب أنْ يؤثره به، فلم يفتضه، وقد تصح الأخوة بين العالم والجاهل، وبين الصالح والطالح لأجل التدين من أحدهما، والتقربة إلى اللّه عزّ وجلّ، ويكون من الأعلى منهما لنيات تكون له فيها لحسن خلقه، أو لجميل معاملته، أو لمعان محمودة تكون فيه، لأن لكل مؤمن سديداً من عمله يرجى له به، والمؤمن لا يهلك كله، ولا يذهب جملة واحدة، أو لإشفاقه عليه أو لتواضع العالم والصالح في نفسه، فيراه في كل حال فوقه، أو لأجل الستر عليه لئلا يلحقه النقص والشين من الغير، فهذه طرقات الإخوان، فيها حسن نيات، وينبغي على ذلك أنْ تعلمه ما جهل مما هو به أعلم، فيعينه بعلمه كما يعينه بماله، فإنّ فقر الجهل أشد من فقر المال، وإنّ الحاجة إلى العلم ليست بدون الحاجة إلى المال وكان الفضيل يقول: إنما سمّي الصديق لتصدقه والرقيق لترفقه، فإن كنت أغنى منه فأرفقه بمالك، وإنْ كنت أعلم منه فأرفقه بعلمك، وينبغي أنْ ينصح له فيما بينه وبينه، ولا يوبخه بين الملأ ولايطلع على غيبه أحداً، فقد قيل: إنّ نصائح المؤمنين في آذانهم، وقال جعفر بن برقان: قال لي ميمون بن مهران: قل لي في وجهي ما أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره، فإن كان أخوه الذي نصح له صادقاً في حاله، أحبه على نصحه، فإن لم يحبه وكره ذلك منه دلّ على كذب الحال، قال اللّه سبحانه وتعالى في وصف الكاذبين: {وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} الأعراف: 79 وقد كان بعض الصالحين يقول: أحب الناس إلي من أهدى عيوبي، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ويأمر الإخوان بذلك رحم اللّه امرءًا اهتدى إلى أخيه عيوب نفسه، ولكن قد قيل لمسعر بن كدام: تحب من يخبرك بعيوبك، فقال: إنْ نصحني فيما بيني وبينه فنعم، وإنْ قرعني في الملأ فلا، ومن أخلاق السلف قال: كان الرجل إذا كره من أخيه خلقاً عاتبه فيما بينه وبينه أو كاتبه في صحيفة، وهذا لعمري فرق بين النصيحة والفضيحة فما كان في السر فهو نصيحة، وما كان على العلانية فهو فضيحة، وقلما تصح فيه النية لوجه اللّه تعالى، لأن فيه شناعة، وكذلك الفرق بين العتاب والتوبيخ، فالعتاب ما كان في خلوة، والتوبيخ لا يكون إلاّ في جماعة، ولذلك يعاتب اللّه عزّ وجلّ رجلاً من المؤمنين يوم القيامة تحت كنفه، ويسبل عليه ستره فيوقفه على ذنوبه سرّاً، ومنهم من يدفع كتاب عمله مختوماً إلى الملائكة الذين يحفرون به إلى الجنة، فإذا قاربوا دخول الجنة، دفعوا إليهم الكتب مختومة فيقرؤونها، وأما أهل التوبيخ فينادون على رؤوس الأشهاد، فلا يخفى على أهل الموقف فضيحتهم، فيزداد ذلك في عذابهم، وكذلك الفرق بين المداراة والمداهنة، فالمداراة ما أردت به وجه اللّه تعالى وطريق الآخرة، من دفع عن دين وقصدت به سلامة أخيك من الإثم وصلاح قلبه للّه تبارك وتعالى، والمداهنة ما اجتلبت به دنيا وأردت به حظ نفسك، وكذلك الفرق بين الغبطة والحسد، إن الغبطة أنْ تحب لنفسك ما رأيته من أخيك، ولا تحب زواله عنه بل تبقيته له وإتمامه عليه والحسد ما أردت أنْ يكون ذلك منه لك، وأحببت زواله عنه وكرهت تبقيته عليه، فهذا مكروه، فإن سعيت في ذلك بقول أو فعل فهو البغي زيادة على الحسد، وهو من كبائر المعاصي، وكذلك الفرق بين الفراسة وسوء الظن إنْ الفراسة ما توسمته من أخيك بدليل يظهر لك أو شاهد يبدو منه أو علامة تشهدها فيه، فتتفرس من ذلك فيه ولا تنطق به إنْ كان سوءاً، ولا تظهره ولا تحكم عليه ولا تقطع به فتأثم، وسوء الظن ما ظننته من سوء رأيك فيه أو لأجل حقد في نفسك عليه، أو لسوء نية تكون أو خبث حال فيك، تعرفها من نفسك فتحمل حال أخيك عليها وتقيسه بك، فهذا هو سوء الظن والإثم، وهو غيبة القلب وذلك محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنّ اللّه تعالى حرم من المؤمن دمه وماله وعرضه، وإنْ تظن به ظن السوء وقوله عليه السلام: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، فهذه خمس معان وأضدادها بينها فرق عند العلماء، فاعرف ذلك، وينبغي أنْ ينصر أخاه ويعينه بماله ولسانه وقلبه وأفعاله، فإن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت