وكان سهل رحمه اللّه يقول: لا يبلغ العبد حقيقة من هذا الأمر حتى يؤدي هذه الأربع؛ أداء الفرائض بالسنّة وأكل الحلال بالورع واجتناب النهي في الظاهر والباطن والصبر على ذلك إلى الممات، وقال: مَنْ لم يكن مطعمه من حلال لم يكشف الحجاب عن قلبه ولم ترفع العقوبة عن قلبه ولم يبالِ بصلاته وصيامه إلاّ أنْ يعفو اللّه عزّ وجلّ عنه، وقال: من اختار أن يرى خوف اللّه في قلبه ويكاشف بآيات الصدّيقين، لا يأكل إلاّ حلالًا ولا يعمل إلاّ في سنة أو ضرورة، وكان يقول: إنما حرموا مشاهدة الملكوت، وحجبوا عن الوصول بشيئين سوء الطعمة وأذى الخلق، وكان يقول: بعد سنة ثلاثمائة لا تصح لأحد توبة، قيل: ولِمَ قال: يفسد الخبز وهم لا يصبرون عنه، وقد روى مرة الطيّب عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: جسم غذي بحرام لا يدخل الجنة، النار أولى به،
وفي الخبر: أنه أكل من كسب غلامه ثم سأله عنه فقال: رقيت لقوم فأعطوني، وفي لفظ آخر: تكهنت لهم فأدخل يده في فيه وجعل يقيء حتى استقاءَه عن آخر لقمة ثم قال: اللّهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الإمعاء.
وقد روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: أو ما علمتم أنّ الصديق لا يدخل جوفه إلاّ طيّبًا؟
وفي الخبر: أنه سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه سأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنْ يجعله اللّه مستجاب الدعوة فقال: يا سعد، أطب طعمتك تستجب دعوتك، وقال العلماء: الدعاء محجوب عن السماء بفساد الطعمة، ويقال: إنه اللّه لا يستجيب دعاء عبد حتى يصلح طعمته ويرضى عمله، وقال جماعة من السلف: الجهاد عشرة أجزاء؛ تسعة في طلب الحلال، وقال عليّ بن فضيل لأبيه: يا أبَتِ، إنّ الحلال عزيز فقال: يا بني إنه وإن عزّ فقليله عند اللّه كثير، يقال: إنّ مَنْ صلّى وفي جوفه طعام حرام، أو على ظهره سلك من حرام لم تقبل صلاته، وقال بعض السلف: يا مسكين إذا صمت فانظر عند من تفطر وطعام من تأكل، فإنّ العبد ليأكل الأكلة فيتقلب قلبه وينغل كما نغل الأديم، فلا يعود إلى حاله أبدًا وهذا أحد التأويلين في قوله صلى الله عليه وسلم: كم من صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، قال: هو الذي يصوم ويفطر على الحرام.
وفي الخبر: من طلب الدنيا حلالًا مفاخرًا مكاثرًا ألقي اللّه عزّ وجلّ وهو عليه غضبان، وحدثونا من آثار السلف أنّ الواعظ والمذكر كان إذا جلس للناس ونصب نفسه سأل أهل العلم عن مجالسته فكانوا يقولون: تفقدوا منه ثلاثًا، انظروا إلى صحة اعتقاده وإلى غريزة عقله وإلى طعمته، فإن كان معتقد البدعة فلا تجالسوه فإنه عن لسان الشيطان ينطق، وإن كان سيّء الطعمة فاعلموا أنه ينطق عن الهوى، وإن كان غير ممكن العقل فإنه يفسد بكلامه أكثر مما يصلح فلا تجالسوه، وهذا التفقد والبحث عن طريق قد مات فمن عمل به فقد أحياه.