فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 922

وقد قال اللّه عزّ وجلّ: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ} التوبة: 39، وقال تعالى: {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} العلق: 6 - 7، فوصف الأغنياء بالطفو وأوقع عليهم الحجة، وقال في وصف الفقراء: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ} البقرة: 372، فلولا أنّ الغنى مفضول ما نسب من وصفهم به إلى النقص، والغنى باب الدنيا وأصل التفاخر والتكاثر المذموم، والفقر باب الآخرة وأصل الزهد والتواضع المحمود، وعند أهل المعرفة: إنّ الغنى من الصفات التي لا ينبغي أن ينازع فيها ومكروهة لمن ابتلي بمعانيها، وأنه مثل العزّ والكبر وحبّ المدح والذكر، فمن أحبّ شيئًا من ذلك وطلبه فقد نازع اللّه تعالى لبسته، وتركوا ذلك لأجل اللّه عزّ وجلّ لأنه من صفات الربو بية، وسلّموه له خوفًا منه أو حبًّا له، وإن الفقر من صفات العبودية مثل الرجاء والخوف والتواضع والذلّ، فمن طلب ذلك وأحبّه فقد تحقّق بوصف العبودية، واللّه سبحانه وتعالى يحبّ أن يتحقق العبد بأوصافه لأنه عبد ذليل، ويكره أن ينازعه معنى صفاته لأنه ملك جليل، ومن أحبّ الغنى دلّ على حبه البقاء، وكان سهل يقول: حبّ الغنى شرك في الربوبية؛ أي لأنّ البقاء من صفات الباقي، ومن فضل الغنى على الفقر دلّ على حبه للغنى فظهر بذلك محبة الأغنياء لأنّ حبّ الوصف دليل حبّ الموصوف، وحبّ الشيء أيضًا دليل على بغض ضده، فإذا أبغض الفقراء أبغض الفقر، وبغض الفقر لحبّ الغنى، فقد اختار الرغبة على الزهد، والكثرة على القلة، والعزّ في الدنيا على الذلّ، وفي هذا إيثار الدنيا على الآخرة، وهدم الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين في تفضيل الفقر وتشريف الأغنياء، ويقال: كان الفقر شرف المؤمن وكان الفقراء فيما سلف في المؤمنين بمنزلة الأشراف فيكم اليوم ولا خفاء بفساد هذا القول ونقصه عند العلماء باللّه تعالى، ثم إنّ الفقراء على منازل ثلاث؛ فقراء الأغنياء وهم السؤال عند الفاقات، الكافون نفوسهم مع الكفاية، القانعون بالكفاف؛ وهم طهرة الأغنياء، ومزيدهم من اللّه تعالى، وهم الذين جعل اللّه لهم في أموال الأغنياء سهمًا، لأنّ منهم السائل والمحروم، ومنهم القانع والمعتر، والطبقة الثانية فقراء الفقراء وهم المتحققون بالفقر، المختارون له، المؤثرون إياه على الغنى، لعظم معرفتهم بعظيم فضيلة أهل التعفّف والصيانة، لا يبتذلون للسؤال ولا يعرضون في المقال، راضون بالميسور من مولاهم، تعرفهم إذا رأيتهم سيماهم: يحسبهم الجاهل أغنياء لترك المسألة والشكوى، ومنهم المحروم حرم السعي للدنيا، ومنهم المحارف انحرفت عنه الأسباب، ومنهم القانع قنع بما يصل إليه من غير امتهان وتبذل فيه، ومنهم المعتر رضي عن اللّه عزّ وجلّ بما يعتريه، وقيل: إنه ما أعطى أحد شيئًا من الدنيا إلاّ قيل له خذه على ثلاثة لثلاث؛ شغل، وهمّ، وطول حساب، وأما الطبقة الثالثة فهم أغنياء الفقراء وهم الأجواد الأسخياء أهل البذل والعطاء، يأخذون ويخرجون، ولا يستكثرون ولا يدّخرون، إن منعوا شكروا المانع لأنه هو المعطي فصار منعه وإنْ ضيّق عليهم حمدوا الواسع لأنه هو المحمود فصار ضيقه رخاء، وإنْ أعطوا بذلوا وآثروا فهم الزاهدون في الدنيا لأنهم موقنون فكفاهم اليقين غنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت