فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 922

وفي وصية عليّ رضي اللّه تعالى عنه: لا تجعل بينك وبين اللّه تعالى منعمًا، واعدد نعمة غيره عليك مغرمًا، فليقدم مثل هذا على من لو أعطاه ورزقه أثنى عليه ومدحه وشهده فيه فحمده، فيكون قد حمد غير الذي أعطاه، ونظر إلى سواه، وذكر غير الذي ذكره بالعطاء، لأنّ الذي يحمد اللّه ويشكره ويثني عليه برزقه ويذكره يرى أنّ اللّه سبحانه وتعالى هو المنعم المعطي، فينظر إليه من قرب؛ فيقين هذا باللّه أنفع لصاحب المعروف عند اللّه من دعاء الآخر المثنى، لأنه كان سببًا لنفع موقن فيكون واضعًا للشيء في حقيقة موضعه، ومدح الآخرة ودعاؤه له لأجل أنه يراه هو المعطي فينظر إليه فيمدحه، فضعف يقين هذا بربه أشّد على المنفق من دعائه له، إن كان ناصحًا للّه تعالى في خلقه ولخلق اللّه تعالى فيه، إلاّ أن لا ينصح لمولاه لغلبة هواه على تقواه، وجهله بعائد النفع له في عقباه، فنقص هذا حينئذ بمقامه من التوحيد أعظم من زيادته بصدقته، على أنه لا يؤمن الاستشراف من الآخر إليه، والاعتياد منه، والطمع فيه، بكلام يحبط عمله، وأيضًا فإنه إذا رآه في العطاء فإنه يراه عند المنع فيذمه ويقع فيه، فيكون هو سبب حمله عليه، وهو آمن مطمئن لهذا كله مع الموقن المشاهد.

وفي الخبر أن الصدقة تقع بيد اللّه تعالى قبل أن تقع بيد السائل وهو يضعها في يد السائل، فالموقن يأخذ رزقه من يد اللّه تعالى فهو لا يعبد إلاّ اللّه تعالى، ولا يطلب منه إلاّ كما أمره في قوله تعالى: {فَابْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ} العنكبوت:17، ووجه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى بعض الفقراء بمعروف، وقال للرسول: احفظ ما يقول، فلما أوصله إليه قال: الحمد للّه الذي لا ينسى من ذكره ولا يضيع من شكره، ثم قال: اللهم إنك لم تنسى فلانًا، يعني نفسه، فاجعل فلانًا لا ينساك، فأخبر الرسول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بذلك فسرّ به وقال قد علمت أنه يقول ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت