فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 922

وقال بعض أهل الاعتبار: ما أجبت إلاّ لأتذكر بها نعيم الجنة، طعام ينقل بغير كلفة ولا مؤونة، ولذلك قيل: إنّ اجتماع الإخوان في وجود الكفاية على الأنس والأُلفة ليس هو من الدنيا، وقد كان بعض الصوفية يقول: لا تجب دعوة إلاّ من يرى لك أنك أكلت رزقك وأنه سلمه إليك وديعة كانت لك عنده، ويرى لك الفضل عليه في قبولها منه؛ فهذه شهادة العارف من الداعين، كذلك شهادة المدعوين من الموحدين؛ أن يشهدوا الداعي الأول، والمجيب الآخر، والمعطي الباطن، والرازق الظاهر، كما امتحن أصحابه بذلك بعض الصوفيين: بلغني أنّ رجلًا دعا إمامًا من الصوفية في أصحابه إلى طعام، فلما أخذ القوم مجلسهم ينتظرون فضل الطعام إليهم، خرج إليهم شيخهم فقال: إنّ هذا الرجل زعم أنه دعاكم وأنكم تأكلون طعامه ففي حرج، أو قال: حرام على من لم يشهده في فعله أن يأكل، قال: فقاموا كلهم فخرجوا ولم يستحلوا الأكل، إذ كانوا لا يرونه في الفعل إلاّ غلامًا حدثًا، فإنه قعد إذ لم تثبت شهادته ولم ينفذ نظره العبارة والمعنى لقائله مثله أو نحوه: وإن دعاك أخوك وأنت صائم فعلمت أنه يسرّ بأكلك فلا بأس أن تفطر لأجله، فإن لم تعلم ذلك منه وقال لك: أنا أسرّ بأكلك فصدقه وأحسن به الظنّ، وإن لم تعلم ذلك منه ولم يلفظ به لساني فإني أكره خروجك من عقد الصوم لغير نية، هي أبلغ منه أو مثله، فصومك حينئذ أفضل، وإنْ أكلت مع أخيك تريد إكرامه بذلك فهذه نية صالحة، قد كان بعضهم إذا أكل يوم فطره أكل مع إخوانه ويحتسب في أكله ما يحتسب في صو مه.

وروينا عن ابن عباس أنه قال: من أفضل الحسنات إكرام الجلساء، ومن لم يرد أن يطعم قومًا من طعام فلا يظهرهم عليه ولا يصفه لهم سواء كان هو قد أكله أو لم يأكله، وكان الثوري يقول: إذا أردت أن لاتطعم عيالك من شيء تأكله فلا تحدثهم به ولا يرونه معك، وينبغي أن يكون للمجيب إلى الدعوة نيّات سبع؛ إذ الأعمال بالنيّات ولكل امرئ ما نوى، إذ الإجابة من الأعمال، فمن نواها دنيا كانت له دنيا لعاجل حظه، ومن أراد بها آخرة فهي له آخرة بحسب نيته، وإنْ لم تحضر نية أو أعتلّ بفسادها توقف حتى يهيئ اللّه عزّ وجلّ له نية صالحة تكون الإجابة عليها أو ترك الإجابة إذا كانت بغير نية، لأنها من أفاضل الأعمال، فتحتاج إلى أحسن النيّات لوجود العالم فيها فتكثر بها الحسنات، ولفقد الهوى منها فيسلم فيها من السيئات وإلاّ كانت إجابته هزوًا، وكان عاملًا في باب من أبواب الدنيا، وساعيًا ف حظّ نفسه وملء جوفه وقد قال الرسول عليه السلام: من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه، فيصير مأزورًا بفساد النية، أو يكون غير مأجور لعدمها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت