فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 922

روي في الخبر: ما رفع من بين يدي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فضلة طعام قط؛ هذا لأنهم كانوا مخلصين في كل شيء فلا يقومون إلا كفايتهم، ولا يأكلون إلاّ بعد جوعهم، ولا يتركون الأكل وفي نفوسهم منه شيء وللاقتصار الذي كان فيهم، ففيما ذكرناه من تقديم الكفاية لئلا يرد فضول الأطعمة موافقة للسنّة، وفي تقديم المأكول ليرجع أكثره نية حسنة، لما جاء فيه: أن من أكل ما فضل من الإخوان لم يحاسب عليه، ومن كان في جماعة فلا يأمر بتأخير الطعام فلعل فيهم من يحتاج إلى تقديمه إلا أن يتفقوا على تأخيره فلا يأمر حينئذ بتقديمه لأجل نفسه، وإذا حضر الطعام والصلاة فإنْ كانت نفوسهم تتوق إليه وفي الوقت سعة قدموا الأكل وإن كانت نفوسهم ساكنة أو ضاق الوقت أو خشوا أن يتطاول بهم الأكل صلّوا أوّلًا واستحبّ الأكل على الأرض، كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا أتى بطعام وضعه على الأرض وكان يأكل مقعيًا على قدميه ويقول: لا آكل متكئًا، إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد، وربماجثا للأكل على ركبتيه وجلس على ظهر قدمه، ونصب وجله اليمنى وهي جلسة العرب للأكل إلى اليوم، وإن أكلو على السفر فهو سنّة فيتزود لسفره، وخير الزاد التقوي، وأكره الأكل على الموائد العالية لأنهم كانوا يكرهون أن يعلون الطعام على الأيدي؛ وهذا محدث وليس من التواضع، قال أنس بن مالك: ما أكل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على حوان ولا في سكرجة قط، قيل: فعلى ما كنتم تأكلون؟ قال: على السفر، وقيل: أول ما أحدثت الأمة بعد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هذه الأربع: الموائد، والمناخل، والأشنان، والشبع، ومن غسل بأشنان ابتدأ بغسل فيه بعد غسل يده اليمنى، ويجعل الأشنان في بطن كفه اليسرى يابسًا، ثم يغسل فاه حتى ينقيه بأصابعه، ثم يبل الأشنان فيغسل يديه ولايعيد يغسل كفيه وهو فعل ذوي المروءة، وينغي إذا حضرت الألوان أن يبتدئ بتقدمة الألطف فالألطف والأطيب فالأطيب والأمثل أن يبتدئ بالشواء قبل اليريد ويقدم الطباهج قبل السكباج؛ فذلك سنّة العرب ليصادف جوعهم أطيب الطعام فيستوفوا من ذلك أوفر النصيب فيكون أثوب لصاحبه وأقل لأكلهم، فإن احتاجوا إلى مابعده من غليط الألوان والطعام تناولوا منه قليلًا، فإنما قدم أهل الدنيا اللون الغليظ على اللطيف ليتسع أكفهم وتنفتق شهوتهم، فيكون اللون اللطيف في موضع آخر، وليكونوا قد أكلوا من اللون الأجود الأطيب أقلّ؛ وهذا غير مستحبّ عند أبناء الآخرة، وقد كان من سنّة المتقدمين أن يقدّموا جملة الألوان في مكان واحد مما يشتهي، وليكون ماتقدّم معلومًا لهم وقال لهم إذ لم يكن عنده إلاّ لون واحد: ليس يحضر إلاّ هذا ليستوفوا منه ولايتطلعوا إلى غيره كان صوابًا، حدثني بعض شيوخنا عن شيخ له قال: قدم إلى بعض أهل الشام لونًا من طبيخ فقلت له عندنا بالعراق يقدم هذا اللون آخر الآلوان فقال لي: هكذا هو عندنا بالشام، قال: فاستحييت إذ لم يكن عنده غير ذلك اللون، وقال لي آخر: كنا في جماعة عند رجل فجعل يقدّم إلينا ألوان الرؤوس منها طبيخًا وقديدًا فجعلنا نقصر في الأكل نتوقع بعده الألوان وجملًا أو جديًا، قال: فجاءنا بالطست ولم يقدّم غيرها، فقال لي بعض الشيوخ من أهل التصوّف وكان مزّاحًا: وهو تعالى يقدر أن يخلق رؤوسًا بلا أبدان، قال: فبتنا تلك الليلة جياعًا فطلب بعضنا في آخر الليل خبزًا أو فتيتًا لسحوره وينبغي أن يمكنهم من بقية الألوان ولا يرفعهاحتى يرفعوا أيديهم، فإنه من الأدب، ولعل فيهم ما يكون عنده ما قدّم أشهى إليه مما يقدم بعد، وقد يكون فيهم من به حاجة إلى فضل أكل فينقص عليه برفعه قبل أن يستوفي ما في نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت