بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد (مرتبا بالآيات والسور)
المؤلف: محمد بن علي بن عطية الحارثي، أبو طالب المكي (المتوفى: 386 هـ)
جمع وترتيب/ العاجز الفقير: عبد الرحمن القماش
(من علماء الأزهر الشريف)
[الكتاب مرقم آليا، وهو غير مطبوع]
(فائدة)
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ... (10) }
هذه أمدح آية في كتاب اللّه تعالى وأبلغ فضيلة فيه لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، لأنه جعله في اللفظ بدلًا عنه، وفي الحكم مقامه، ولم يدخل بينه وبينه كاف التشبيه كإنما ولا لام الملك فيقول للّه تعالى، وليس هذا المقام من الربوبية لخلق غير رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
(لطيفة)
قال لموسى عليه السلام بعد المقام: (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى(36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37)
ففي هذا تحديد، وقال لمحمد عليه السلام بعد المقامات (وقل ربّ زدني علمًا) فلم يحد له حدًّا، فهذا غاية المزيد.
وقال موسى عليه السلام (ربّ أرني أنظر إليك) أي في محل العبودية، وقال لمحمد عليه السلام: (ما زاغ البصر وما طغى) ، (فكان قاب قوسين أو أدنى) أي مكان الربوبية، فبين المحبّ والمحبوب في التقليب، كما بين موسى ومحمد عليهما السلام في التقريب، كم بين من رأى ما رأى عند نفسه في مكانه، وبين من رأى ربّه في علوه، كم بين من عجل إليه شوقًا منه ليرضى عنه وبين من عجل به شوقًا إليه ليرضاه إليه لرضاه عنه، كم بين من رأى ما رأى فلم يثبت، ففاضت عليه الأنوار لضيقه، وبين من رأى ما رأى فثبت له وغاضت فيه الأنوار لسعته، فقد جاوز المحبوب مقام المحبّ في التمكين، كما جاوز محمد صلى الله عليه وسلم مقام موسى عليه السلام في المكان أدخل بينه وبين موسى لام الملك، وأقام محمدًا مقامه في الملك
وقال تعالى لموسى: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} طه: 41.
وقال لمحمد: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} فكم بين من صنعه لنفسه وبين من جعله بدلًا من نفسه تفضلًا وتعظيمًا، كم بين من فصَل مدحه من وصفه وبين من وصل مدحه بوصفه، فقال تعالى في الفصل: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} طه: 39، وقال في الوصل: {لِّتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} الفتح: 9 الآية، وقال في مثله: (واللّه ورسوله أحق أن يرضوه) ، وقد قيل في قوله تعالى: {يامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ الشَّاكِرِينَ} الأعراف: 144. أي خذ ما آتيتك من الكلام فتلا: واصطفيتك به على الناس، فاشكر عليه وأما النظر فقد خصصت به محمدًا، وعن ابن عباس وكعب أنّ اللّه تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد فأعطى موسى الكلام وخصّ محمدًا بالرؤية، ومما يؤيد هذا القول أنّ الذي آتاه الكلام هو الذي ثبت له فدلّ أنه هو الذي أريد به لأنّ اللّه تعالى إذا أراد عبدًا بشيء ثبته فيه وقواه عليه، وقد ثبت محمدًا لما آتاه من الرؤية وقواه لها ومكنه فيه.
(فائدة)
ولو لم يكن في يسير المعصية من الشؤم إلا حرمان الطاعة وفقد حلاوة الخدمة ومقت المولى لكان هذا من أعظم العقوبات، كما قال وهيب بن الورد وقد سئل: هل يجد العاصي حلاوة الطاعة قال: لا ولا من هم بمعصية، ولذلك سمّى الله تعالى يحيى سيدًا لأنه لم يهمّ بمعصية فصار علامة السيد بقدر سؤدد من لا يهمّ بالمعاصي، فصار من لا يهمّ بالمعاصي سيدًا.
(لطيفة)
والعقوبة موضوعها الشدة والمشقة، فعقوبة كل عبد من حيث يشتد عليه، فأهل الدنيا يعاقبون بحرمان رزق الدنيا من تعذر الإكساب وإتلاف الأموال، وأهل الآخرة يعاقبون بحرمان رزق الآخرة من قلة التوفيق للأعمال الصالحات، وتعذر فتوح العلوم الصادقة (ذلك تقدير العزيز العليم)
وكان أبو سليمان الداراني يقول: الاحتلام عقوبة: وقال: لا يفوت أحدًا صلاة في جماعة إلا بذنب يحدثه فدقائق العقوبات على قدر ترافع الدرجات.