فإن قلت: أسكن الهمزة تشبيهًا لها بالألف من حيث تساوتا فِي الجهر ، وفي الزيادة ، وفي البدل ، وفي الحرف ، وفي قرب المخرج ، وفي الخفاء - فقولٌ ما ، غير أنه مخشوب1 لا صنعة فيه ، ولا يكاد يُقنع بمثله.
ومن ذلك قراءة عمرو بن عبيد وأبي جعفر يزيد بن القعقاع2:"ولا يُضارّْ"3 بتشديد الراء وتسكينها.
قال أبو الفتح: أما تشديد الراء فلا سؤال فيه ؛ لأنه يريد يضارَِر ، بفتح الراء الأولى أو بكسرها ، وكلاهما قد قرئ به ؛ أعني: الفتح فِي الراء الأولى والكسر ، والإدغام لغة تميم ، والإظهار لغة الحجازيين على ما مضى ؛ لكن تسكين الراء مع التشديد فيه نظر.
وطريقه: أنه أَجرى الوصل مجرى الوقف4 ، كقوله: سَبْسَبًّا5
1 مخشوب: من خشب الشعر بكسر الشين: قاله من غير تنوق فيه ولا تعمل له.
2 هو يزيد بن القعقاع الإمام أبو جعفر المخزومي المدني القارئ ، أحد القراء العشرة ، تابعي مشهور كبير القدر ، ويقال: اسمه جندب بن فيروز ، وقيل: فيروز ، عرض القرآن على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وروى عنهم ، ورى القراءة عنه نافع بن أبي نعيم وسليمان بن مسلم بن جماز وعيسى بن ورودان وغيرهم ، ومات بالمدينة سنة 130 ، وقيل غير ذلك. طبقات القراء: 2/ 382 - 384.
3 قراءة الجماعة: {وَلا يُضَارَّ} بتشديد الراء وفتحها. سورة البقرة: 282.
4 قال فِي الكتاب 2/ 282:"وأما التضعيف فقولك: هذا خالد ، وهو يجعل ، وهذا فرج ، حدثنا بذلك الخليل عن العرب ؛ ومن ثم قالت العرب من الشعر فِي القوافي: سبسبا ، يريد السبسب ، وعيهل يريد العيهل ؛ لأن التضعيف لما كان فِي كلامهم فِي الوقف أتبعوه الياء فِي الوصل ، والواو على ذلك ، كما يلحقون الواو والياء فِي القوافي فيما لا يدخله ياء ولا واو فِي الكلام ، وأجروا الألف مجراهما ؛ لأنها شريكتهما فِي القوافي ، ويمد بها فِي غير موضع التنوين ، ويلحقونها فِي غير التنوين ، فألحقوها بهما فيما ينون فِي الكلام...".
5 من قول رؤبة ، وقيل: ربيعة بن صبيح:
إذا الدَبى فوق المتون دبا
وهبت الريح بمور هبا
تترك ما أبقى الدبى سبسبا
الدبى بفتح الدال: الجراد قبل أن يطير ، المفرد دباة ، المتون: جمع متن ؛ وهو المكان الذي فيه صلابة وارتفاع ، والمور بضم الميم: الغبار ، السبسب كجعفر: القفر والمفازة. شواهد الشافية: 254 - 259.