والسكون من أعراض الوقف ، فهل يحسن مع وجود هذا الفرق الواضح الكريم أن يُخلد دونه إلى التعذر بما يُخْلِدُ إليه الموهون المضيم؟ اللهم انفعنا بما استودعتناه1 ، واجعل بك اعتصامنا ، وإلى طاعتك توجهنا ، إنك لطيف بنا وأنت حسبنا.
ومن ذلك ما رواه مَتُّ بن عبد الرحمن2 قال: كان أهل مكة يقرءون:"وامرأْتَان"3 بسكون الهمزة.
قال أبو الفتح: وجه ذلك - والله أعلم - أنهم كانوا يخففون الهمزة فيضعفون حركتها على المعتاد من أمرها ، فتقرب من الساكن.
ويدل على أن الهمزة المحركة إذا خففت فِي نحو هذا قريبة من الساكن ، امتناعُ العرب من أن تبتدئ بها مخففة كما تمتنع من الابتداء بالساكن ، فلما صارت إلى قولك:"وامراتان"بالَغوا فِي ذلك فأبدلوها ألفًا ؛ فصارت:"وامراتان"بألف ساكنة ، كما قال:
يقولون جهلًا ليس للشيخ عَيِّل لعمري لقد أعيلت وانَ رَقُوب4
يريد: وأنا ، فخفف الهمزة فصار"وان"، ثم تجاوز ذلك إلى البدل فأخلصها فِي اللفظ ألفًا فقال: وان ، فكذلك لما"32ظ"أبدل من همزة"وامرأتان"ألفًا فصار تقديره:"وامراتان"، ثم أبدل الهمزة من الألف وإن كانت ساكنة على ما قدمنا ذكره فيما قبل ، وعليه قراءة ابن كثير:"وكَشفَتْ عن سأْقَيْها"5 ، ومنه: البأز والخأتم والعألم وتَأْبَلْتُ6 القدر ، ونحو ذلك مما قدمنا ذكره ، هذا طريق الصنعة فيه والتأتي له.
فأما أن يقدِّر به مقدِّرٌ على أنه أسكن الهمزة المتحركة اعتباطًا ألبتة هكذا فلا ؛ لأنه لا نظير له ، ألا ترى أن ما قبل تاء التأنيث لا يكون أبدًا إلا مفتوحًا ، نحو: جوزة ورطبة ، إلا أن تكون الألف المدة نحو: قتادة وقطاة ؟ فأما الهمزة فحرف صحيح حامل للحركة ؛ فتجب فتحته ألبتة.
1 فِي ك: استودعتنا .
2 هو محمد بن عبد الرحمن النيسابوري النحوي يُعرف بمت ، عرض القراءة على عيسى بن عمر الكوفي عن طلحة بن مصرف ، وروى الحروف عن إسماعيل القسط وشبل بن عباد عن ابن كثير ، روى عنه الحروف أحمد بن نصر ونصير بن يوسف ، ودخل بغداد زمن الكسائي. طبقات القراء: 2/ 168.
3 سورة البقرة: 282.
4 البحر المحيط: 346 ، والرقوب هنا: الرجل لا يعيش له ولد ؛ لأنه يرقب موته ويرصده خوفًا عليه.
5 سورة النمل: 44.
6 تأبلت القدر: جعلت فيها التابل.