بكسب العبد سواء كان ذلك الكسب بالنظر فهو النظري أو بغيره كالعلم الحاصل بالابصار المقصود ممن كان مغمضا عينيه ففتحهما قصدا فهو مكتسب للعبد بفتح عينيه ولكنه داخل في الضروري بالمعنى المتقدم فلما دخل هذا في الضروري بقي الكسبي الحاصل بالنظر فلهذا حصر المصنف العلم فيهما. واعلم أن الضروري كما يستعمل في مقابلة النظري ويفسر بما تقدم كما هنا يستعمل في مقابلة الاكتسابي ويفر بما لم يكن للعبد فيه کسب وهو بهذا المعنى أخص منه بالمعنى الأول لانفراده في العلم الحاصل بالإبصار المقصود ممن كان مغمضة عينيه ففتحهما قصدا فإنه ضروري على الأول دون الثاني لأنه مكتسب للعبد بفتح عينيه. قوله: (ما لا يقع عن نظر و استدلال) فإن قلت: إن هذا التعريف غير مانع من دخول غير المعرف في التعريف لشموله التقليد والظن في الجملة مع أنهما لا يسميان علما والحال يصدق على كل واحد منهما أنه ما لم يقع عن نظر و استدلال. قلنا: إن ما في التعريف واقع على العلم بدليل ظهور اعتبار المقسم في كل قسم أي الضروري علم لم يقع عن نظر و استدلال فخرج ما ذكر لأنهما ليسا علمين. قوله: (بإحدى الحواس الخمس) وإنما عبر بالباء دون اللام للتنبيه على ما اتفق عليه المحققون من أن المدرك للكليات والجزئيات هو النفس الناطقة وأن نسبة الإدراك إلى قواها كنسبة القطع إلى السكين لكن اختلفوا في أن صور الجزئيات الجسمانية ترسم فيها أو في آلاتها والأول هو مذهب المتكلمين، والثاني: هو المشهور عن الحكماء وأما الجزئيات المجردة عن المادة بأن لا تكون جسما ولا داخلة في الجسم كالعقول والنفوس الفلكية والمفهومات الجزئية کجزئيات الوجود والإمكان فإنها ترتسم في النفس ومنهم من ذهب إلى أن النفس لا تدرك الجزئيات وبسط ذلك وما يتعلق به في محله من كتب الكلام. والحواس جمع حاسة بمعنى القوة الحاسة. قوله: (الظاهرة) احترز به عن القوة الباطنة وهي كما قالت الحكماء خمسة وزعموا أن في الدماغ ثلاث تجاويف ففي التجويف الأول قوتان وفي الثاني قوة واحدة وفي الثالث قوتان. وهي الحس المشترك وهي قوة في مقدم التجويف الأول الذي على مقدم الدماغ يدرك بها جميع ما تدركه الحواس بعد غيبة المادة فكأنها حوض ينصب فيه العيون الخمسة. والخيال وهي قوة حافظة لما يدركه الحس المشترك وخزانة له وهو في مؤخر التجويف الأول. والقوة المتصرفة وهي قوة مودعة في التجويف الثاني يلي الأول مستطيل بين الأول وبين الأخير وهي تتصرف في الصور التي تأخذها من الحس