فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 102

ويتشكلان بكل الصور، أي رجاء في حكومة تؤسس فوقهما.

لكن من حسن الحظ أن جميع الصفات التي أتينا على ذكرها في المجالس النيابية

لا تظهر دائمًا؛ لأن تلك المجالس لا تكون جماعات إلا في بعض الأحايين، والغالب

أن كل عضو من أعضائها يحفظ ذاتيته على استقلال، ومن هنا صح لها أن تسن

من القوانين الفنية ما هو حسن للغاية. نعم، إن الذي يضع هذه القوانين إنما هو

اختصاصي واحد يحضرها في سكون مكتبته، وكل قانون أقره المجلس هو صنع فرد

واحد لا صنع المجلس كله، ولكن القوانين التي وضعت بهذه الكيفية هي أحسن ما

يشرع، وإنما يكون القانون ضارٍّا إذا أدخلت عليه في الهيئة تعديلات رديئة فجعلته من

صنع الجماعة، ذلك لأن صنع الجماعة أحط درجة من عمل الفرد دائمًا وفي كل مكان.

والاختصاصيون هم الذين ينجون المجالس النيابية من الوقوع في الأعمال المضرة التي

لا يهذبها الاختبار، فالاختصاصي يكون عند ذلك قائدًا وقتيٍّا يؤثر في المجالس ولا تأثير

للمجلس فيه.

المجالس النيابية هي أحسن الوسائل التي اهتدت إليها الأمم في حكم نفسها

وبالأخص في التخلص ما استطاعت من نير المظالم الشخصية مع ما عليه المجالس

المذكورة من صعوبة الحركة. وهي على التحقيق أرقى أشكال الحكومات إن لم يكن

عند الكافة، فعند الفلاسفة والمفكرين والكُتاب وأهل الفنون والعلماء، وبالجملة عند كل

عنصر من العناصر التي تتكون منها ذروة الحضارة في الأمم.

على أننا إذا نظرنا إليها من الجهة العملية لا نرى لها إلا ضررين كبيرين: الأول

تبذير الأموال تبذيرًا لا مناص منه، والثاني الترقي في تحديد الحرية الشخصية.

فأما الضرر الأول فهو نتيجة عدم تبصرة الجماعات الانتخابية، فإذا قدم أحد

الأعضاء طلبًا لسد حاجة اجتماعية ديمقراطية ولو في الظاهر كتقرير معاش لجميع

العملة أو زيادة مرتبات بعض خدمة الريف والمعلمين وهكذا، لا يسع الأعضاء الآخرين

أن يرفضوه لخوفهم من الناخبين حتى لا يظهروا بمظهر من لا يهتم بمصالحهم ولو

كانوا على يقين من أن الطلب يبهظ الميزانية ويفضي إلى تقرير ضريبة جديدة، إذن

يستحيل عليهم الرفض. أما نتائج الزيادة في المصروفات فهي بعيدة ولا تأثير لها في

أشخاصهم إلا قليلًا، بخلاف ما لو رفضوا الطلب، فإن النتيجة تتجلى يوم يضطرون

للوقوف أمام الناخبين، وما ذلك اليوم ببعيد.

وهناك سبب قوي آخر يستلزم زيادة المصروفات وهو الاضطرار لمنح المصروفات

المحلية؛ إذ لا يجرأ عضو في المجلس على رفض طلبها لكونها في منفعة الناخبين مباشرة،

ولأنه لا يتمكن من نيل ما يريده لمركزه إلا إذا أقر ما يطلبه زملاؤه لمراكزهم. 3

وأما الضرر الثاني وهو التدرج في تقييد الحرية الشخصية تدرجًا قهريٍّا كذلك

فهو ضرر محقق، وإن كان أقل وضوحًا من الأول. وهو نتيجة القوانين العديدة التي لا

تدرك المجالس النيابية نتائجها تمامًا لبساطة أفكارها، ولكونها تحسب أنها مضطرة

لتقنينها وليست القوانين إلا قيودًا.

والظاهر أنه لا مفر من هذا الخطر لأن إنكلترا نفسها لم تتمكن من اتقائه مع

أن نظامها النيابي أكمل النظامات لأن النائب الإنكليزي أكبر النواب استقلالًا أمام

ناخبيه، وقد أشار (هربرت سبنسر) منذ زمن بعيد إلى أن الزيادة الظاهرية في الحرية

الشخصية لا تلبث أن تتبع بنقص حقيقي فيها. ثم عاد إلى هذه النظرية في كتابه

الذي سماه (الفرد والحكومة) ، ومما قاله: «جرى التشريع منذ ذلك الحين على النحو

الذي أشرت إليه، فما أسرع ما كثرت اللوائح القسرية وكلها ترمي إلى تحديد الحرية

الشخصية، وذلك من طريقين: الأول أن كل سنة قد أربت على سابقتها في كثرة اللوائح

التي تلزم الأفراد بواجبات كانوا أحرارًا منها، وتفرض عليهم أعمالًا كانت مباحة إن

شاءوا فعلوها وإن شاءوا أهملوها. والثاني زيادة الضرائب العامة التي يجب على الأفراد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت