إذا أردنا من كلمة الأخلاق دوام الاحتفاظ بما اصطلح العموم على مراعاته وقمع النفس
عن الاسترسال مع نزعات حب الذات، فليست الجماعة أهلًا لشيء من ذلك لشدة نزقها
وعدم ثباتها، لكن إذا أدخلنا ضمن معنى هذا اللفظ التخلُّق مؤقتًا ببعض الصفات
كإهمال الذات والإخلاص والتنزُّه عن الغاية وتضحية النفس والميل إلى الإنصاف، جاز
لنا أن نقول بأن الجماعات أهل للتجمل بأخلاق عالية.
أما السبب الذي حدَا بالقليل من علماء النفس الذين بحثوا في أحوال الجماعات إلى
الحكم عليها بانحطاط الأخلاق، فهو كونهم قصروا بحثهم على جهة الشر فيها فلاحظوا
أن أعمالها من هذه الجهة كثيرة.
نعم هذا هو الغالب في الجماعات، وعلته أن العصور الماضية تركت من شرها
وخشونتها بقية اطمأنت في قلب كل واحد منا، والفرد لا يجرأ على الاسترسال مع هذه
البقية حذر الوبال الذي تجره عليه. أما الجماعة فغير مسئولة عن أعمالها، فإذا هو
انخرط فيها أمن العقاب ونشط من عقاله فاتبع هواه. لا ترى أنه لما لم يجرأ على الشر
مع أمثاله مال به إلى الحيوان فواصله بالأذى. فشهوة الإيذاء عند الجماعة من طبيعة
شهوة الصيد عند المغرمين به، فهي تفترس الرجل إذا غضبت فلا تأخذها شفقة ولا
يثنيها حنان، وهم يجتمعون زمرًا زمرًا ليشهدوا بقلوب قاسية كلابهم تمزق بأنيابها
الوعل الضعيف، والكل في نظر الحكيم وحش مفترس.
بقي أن الجماعة كما أنها أهل لارتكاب القتل والتدمير بالنار وكل أنواع الجرائم، هي
أهل للإخلاص في العمل ولتضحية المنافع الذاتية والنزاهة بدرجة أرقى مما يقدر الفرد،
بل هي أقرب منه إلى تلبية من يناديها باسم الشرف والفخار أو باسم الدين والوطن
إلى حد المخاطرة بالأرواح. وأمثلة الصليبيين ومتطوعي سنة 93 كثيرة يخطئها العد في
التاريخ، فالجماعة دون الفرد أهل لعظائم الأعمال في باب النزاهة والإخلاص، وكم من
جماعة تقدمت إلى الموت في سبيل معتقدات وأفكار وكلمات كانت تكاد لا تفقه شيئًا
من معانيها، حتى إن الجماعة التي تقوم بالاعتصاب إنما تعتصب لصدور الإشارة بذلك
إليها أكثر من ميلها لنيل الزيادة في الأجر الزهيد الذي اقتنعت به من قبل؛ لأن المصلحة
الذاتية قلما تكون سببًا قويٍّا لحركات الجموع، وهي على التقريب السبب الوحيد في عمل
الفرد، فليست هي التي ساقت الجم الغفير من الجموع إلى الحروب من دون أن يدرك
السبب فيها ولا الغرض منها، ولا هي التي جعلتهم يتساقطون على عجل بين يدي الموت
كالقبرة يسحرها الصياد بمرآته فتدنو إليه.
حتى الأوغاد كثيرًا ما يكون انضمامهم إلى الجماعة علة في ارتقاء الملكات الفاضلة
في نفوسهم وقتًا ما كما لاحظه (تاين) في قتلة شهر سبتمبر الذين كانوا يلتقطون كل
ما وجدوه من الأموال ونفيس المتاع ويقدمونه لِلَّجنة مع أنه كان من السهل عليهم
إخفاؤه، كذلك الجماعة التي وجهت على قصر (التويلري) في ثورة سنة 1848 لم يتناول
فرد منها شيئًا من تلك النفائس التي بهرتها، وقد كان يكفيه قوت عدة أيام مع كونها
كانت شديدة الغضب عنيفة الصخب مرذولة الأثر. نعم تهذيب الجماعة للفرد ليس هو
القاعدة المطردة، ولكنه كثير الوقوع حتى في أحوال أقل شدة من التي تقدم ذكرها،
وقد سبق لنا القول بأن جماعة المتفرجين يطلبون من المشخصين أفضل الأخلاق وأرفع
الفضائل، ومن السذاجة أن نقول بأن الجماعة وإن تكونت من أفراد منحطي الأخلاق
تظهر غالبًا بمظهر الكمال، هكذا المنغمس في الموبقات والديون والوغد يزمجرون غالبًا
إذا رأوا منظرًا منافيًا للآداب، أو سمعوا هذرًا يعد تافهًا بجانب حديثهم الذي تعودوه في
ندواتهم.