الفصل الخامس
المجالس النيابية
المجالس النيابية جماعات مختلفة العناصر غير اسمية، وهي تتشابه كثيرًا في صفاتها
وإن اختلفت طريقة تكوينها بحسب الأمم والأزمان، ولروح الشعب فيها أثر هو
إضعاف تلك الصفات أو تقويتها، إلا أنه لا يمنع من ظهورها البتة. وتتشابه المجالس
النيابية في البلاد المختلفة كاليونان وإيتاليا والبرتقال وإسبانيا وفرنسا وأمريكا من
حيث المداولات والقرارات تشابهًا عظيمًا، فتتشابه الصعوبات الناشئة عن ذلك أمام
جميع الحكومات.
النظام النيابي هو أقصى ما تصبو إليه الأمم المتحضرة في العصر الحاضر؛ لأنه
يعبر عن فكر سائد في الناس - وإن كان علم النفس يراه خطأ - وهو أن العدد
الكثير أقدر من العدد القليل على البت في الأمور بالعقل والرويَّة والاستقلال.
والصفات المميزة للجماعات توجد في المجالس النيابية من بساطة الأفكار، وسرعة
الانفعال وقابلية التأثر برأي الغير، والغلو في المشاعر ونفوذ القواد، إلا أن لها بمقتضى
تكوينها الخاص بعض صفات لا تشترك فيها مع بقية الجماعات، وإليك بيانها:
أما بساطة الأفكار فمن أهم مميزات المجالس النيابية، فتشاهد عند جميع الأحزاب
خصوصًا عند الأمم اللاتينية الميلَ إلى حل المسائل الاجتماعية العويصة بأبسط المبادئ
النظرية وبقوانين عامة يطبقونها على جميع الأحوال. ومن الواضح أن المبادئ تختلف
باختلاف الأحزاب، لكن الرجل في الجماعة يرمي دائمًا إلى تقدير تلك المبادئ بأكثر من
قيمتها ويذهب فيها إلى آخر ما تؤدي إليه من النتائج، لذلك كانت الأفكار التي تمثلها
المجالس النيابية هي المتطرفة.
وأكمل مثال لبساطة المجالس النيابية جماعة (اليعاقبة) أيام ثورتنا الكبرى، فقد
كانوا كلهم من أرباب المذاهب وكلهم من المناطقة، وكانت رءوسهم ملأى بالكليات
المقولة بالتشكيك، لذلك كان همهم تطبيق المبادئ المقررة من غير التفات لظروف
الأحوال، فصح ما قيل عنهم من أنهم عبروا الثورة ولم يروها. فهم قوم اتخذوا مبادئهم
مرشدًا وظنوا أنهم يتمكنون بها من خلق هيئة اجتماعية جديدة، ويرجعون بالمدنية
الراقية إلى مدنية كانت للأمة قبل تطورها الحالي، كذلك كانت الوسائل التي استعملوها
في تحقيق أحلامهم من أبسط الوسائل، فإذا اعترضتهم عقبة استعملوا العنف في تذليلها
وكانت الروح السارية فيهم جميعًا واحدة وإن كانوا فرقًا شتى.
وأما التأثر بالرأي فقابلية المجالس النيابية له شديدة، والتأثير يأتي من قِبل القواد
ذوي النفوذ كما هو الشأن في الجماعات كلها، إلا أن لقابلية المجالس النيابية في هذا
الباب حدودًا واضحة يجب ذِكرها.
فلكل عضو رأي ثابت في المسائل المتعلقة بإقليمه لا يمكن زحزحته عنه ولا تؤثر
فيه حجة أو دليل، فلو بُعث (ديموستين) ما أمكنه أن يقنع عضوًا بعدم وجوب حماية
المهن التي لبعض أصحابها النفوذ الأول في الانتخابات، ذلك لأن التأثير الذي وقع عليه
أولًا من الناخبين أوجد له رأيًا ثابتًا، وعطل فيه ملكة الاقتناع بما يخالفه. ولعل أحد
نواب مجلس العموم الإنكليزي ممن طال عهدهم فيه كان يشير إلى تلك الأفكار التي
رسخت من قبل في ذهن كل عضو حتى صارت لا تقبل التغيير ولا التعديل لتأثير
ضروريات الانتخاب؛ حيث قال) (ويستمنستر: «سمعت مدى خمسين عامًا قضيتها في
آلافًا من الخطب، فالقليل منها حملني على تغيير رأيي، ولكن لم يكن لواحدة منها أن
تحملني على تغيير صوتي عند الاقتراع.»