فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 102

الفصل الرابع

الصبغة الدينية التي تتكيف بها اعتقادات

الجماعات

بينا أن الجماعات لا تتعقل، وأنها تقبل الأفكار أو ترفضها جملة، وأنها لا تطيق

المعارضة ولا تحتمل المناظرة، وأن المؤثرات التي تفعل فيها تحتل منها دائرة الإدراك

كلها، وسرعان ما تنتقل من التأثر إلى الفعل، وأنها إذا حسن التأثير فيها تضحي نفوسها

فداء للمقصد التي وجهت إليه. وكذلك عرفنا أن مشاعرها شديدة متطرفة، فالميل عندها

لا يلبث أن ينقلب عبادة، والنفور لا يكاد يدخل عليها حتى يصير سخيمة، وتلك البيانات

العامة تشعر بكنه اعتقاداتها.

إذا دققنا النظر في اعتقاد الجماعات أيام سيادة الأديان، أو في أزمنة الثورات

السياسية الكبرى كالتي حصلت في القرن الماضي رأينا أنها تتصبغ دائمًا بصبغة

مخصوصة لا يسعني التعبير عنها بأحسن من تسميتها بالشعور الديني.

ولهذا الشعور مميزات بسيطة للغاية: كعبادة ذاتٍ يتوهم أنها فوق الذوات،

والخوف من القوة الخفية التي تظن لها، والخضوع الأعمى لأوامرها، واستحالة البحث

في تعاليمها، والرغبة في نشرها، والنزوع إلى معاداة من لا يقول بها. ومتى تكيف الشعور

بهذه الصفة، فهو من طبيعة الشعور الديني سواء كان محله إلهًا لا يرى أو معبودًا

من الحجر أو من الشجر أو بطلًا من الشجعان أو رأيًا سياسيٍّا، فكله شعور تدخل فيه

المعجزات وخوارق العادات، والجماعات ترى أن في كل ما خلب لبها واسترعى قلبها قوة

دونها قوة البشر.

وليس المتدين هو الذي يعبد إلهًا، بل متى أسلم الإنسان عقله وإرادته وما فيه من

حماسة وتعصب لخدمة مبدأ أو ذات جعلها غاية مقصوده ومرمى أفكاره وأقواله، فهو

دائن بما توجه إليه.

ومن المعلوم أن التعصب وعدم الاحتمال يصاحبان على الدوام كل شعور ديني،

ويلازمان كل من اعتقد أنه ملك ناصية السعادة في الحياة الدنيا أو في الآخرة، وهاتان

الصفتان توجدان في كل جماعة تحركت بأحد المعتقدات، فقد كان اليعاقبة زمن (الهول)

متدينين كما كان أهل الاضطهاد متدينين، ومنبع حماسة الفريقين في القسوة واحد.

كذلك تظهر معتقدات الجماعات بالخضوع الأعمى والتعصب الوحشي والإكراه في

الدعوة، وكلها صفات من لوازم الشعور الديني، وما البطل الذي تهلل الجماعة له إلا إله

في نظرها. هكذا كان نابليون مدى خمسة عشر عامًا، ولم يكن لمعبود سواه عباد أشد

إخلاصًا من الذين عبدوه ولم يسهل على معبود قيادة النفوس إلى حتفها أكثر منه، وما

كان لآلهة الوثنية والنصرانية سلطان على القلوب أعز من سلطانه.

إن جميع موجدي الديانات ومؤسسي المذاهب السياسية لم يقيموها إلا لأنهم تمكنوا

من إحداث التعصب الذي يجعل الإنسان يرى سعادته في العبادة والطاعة، ويهيئه لأن

يهب حياته لمعبوده. هكذا كان الحال في كل وقت وزمان، ولقد أصاب موسيو(فوستان

دي كولنج)حيث قال في كتابه على بلاد الغلوا الرومانية إن الدولة الرومانية لم تدم

بالقهر والقوة، ولكن بما وجد في النفوس من الإعجاب بها إعجابًا دينيٍّا قال:(ولم يرو

لنا التاريخ أن دولة مكروهة من شعوبها دامت خمسة قرون، وإلا لتعذر أن نفهم كيف

أن ثلاثين كوكبة من جند الإمبراطورية تمكنوا من قهر مائة مليون على الطاعة)، إنما

أطاع القوم لأن الإمبراطور الذي كان يمثل عظمة الرومان كان يُعبد عبادة الآلهة باتفاق،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت