فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 102

قلنا في تعريف الجماعات إن من أخص صفاتها قابليتها الشديدة للتأثر، وبينا كيف

أن التأثر معد في كل مجمتع إنساني، وفي ذلك إيضاح لسرعة توجه المشاعر كلها نحو

غرض محدود.

وكيفما ظهرت على الجماعات شارات الهدوء والسكون، فإنها على الدوام في حالة

انتظار واستعداد يجعل التأثير فيها سهلًا، فأول مؤثر يبدو تراه يخضعها لحينه بامتداد

عدواه إلى رءوس الكل، وفي الحال يحصل اتجاه الجميع نحو الغرض المقصود، وسواء

كان ذلك الغرض إحراق قصر أو إتيان عمل كريم، فإنها تندفع نحوه بسهولة واحدة،

والأمر إنما يتوقف على طبيعة المحرك لا على ما يرجحه العقل من وجوب إمضاء الفعل

أو الإحجام عنه كما في الأفراد. ولما كانت الجماعة على الدوام محلقة في حدود اللاشعور

تتأثر بالسهولة من جميع المؤثرات وذات إحساس قوي كإحساس الأشخاص الذين لا

تمكنهم الاستعانة بالعقل ومجردة من ملكة النقد والتمييز، كان من شأنها أن تكون

سريعة التصديق سهلة الاعتقاد، فهي لا تعرف الغير المعقول، فليذكر ذلك القراء ليفقهوا

السر في سرعة انتشار الأقاصيص التي تخرج عن حد المعقول. 3

ثم إن سرعة تصديق الجماعة ليس هو السبب الوحيد في اختراع الأقاصيص التي

تنشر بسرعة بين الناس، بل لذلك سبب آخر وهو التشويه الذي يعتور الحوادث في مخيلة

المجتمعين؛ إذ تكون الواقعة بسيطة للغاية فتنقلب صورتها في خيال الجماعة بلا إبطاء

لأن الجماعة تفكر بواسطة التخيلات، وكل تخيل يجر إلى تخيلات ليس بينها وبينه أدنى

علاقة معقولة، وإنا لندرك هذه الحال إذا ذكرنا ما قد يتوارد علينا من الأفكار الغريبة

لمجرد تخيلنا واقعة من الوقائع، والفرق بيننا وبين الجماعة أن العقل يرشدنا إلى ما بين

هذه التخيلات وبعضها من التنافر والتباين، وأنه ليس في قدرتها أن تصل إلى مثل هذا

التمييز وأن كل ما أحدثه خيالها من التشويش تضيفه إلى أصل الحادثة، فهي لا تفرق

بين الشيء وما يرمي إليه، بل هي تقبل جميع الخيالات التي تعرض لها، ولا نسبة في

الغالب بين تلك الخيالات وما وقع تحت الحس أولًا.

ولقد كان يجب تعدد صور التشويش التي تدخلها الجماعة على حادثة شاهدتها

وتنوع تلك الصور لأن أمزجة الأفراد الذين تتكون هي منهم مختلفة متباينة بالضرورة،

لكن المشاهد غير ذلك والتشويش واحد عند الكل بعامل العدوى؛ لأن أول تشويش تخيله

واحد من الجماعة يكون كالخميرة التي تنتشر منها العدوى إلى البقية، فقبل أن يرى

جمع الصليبيين القديس جورج فوق أسوار بيت المقدس كان بالطبع قد تخيله أحدهم

أولًا 4 فما لبث التأثر والعدوى أن مثلاه للبقية جسمًا مرئيٍّا.

هكذا وقعت جميع التخيلات الاجماعية الكثيرة التي رواها التاريخ، وعليها كلها

مسحة الحقيقة لمشاهدتها من الألوف المؤلفة من الناس.

ولا ينبغي في رد ما تقدم الاحتجاج بمن كان بين تلك الجماعات من أهل العقل

الراجح والذكاء الوافر؛ لأنه لا تأثير لتلك الصفة في موضوعنا، إذ العالم والجاهل سواء

في عدم القدرة على النظر والتمييز ما داموا في الجماعة. ورب معترض يقول: إن

تلك سفسطة، لأن الواقع غير ذلك، إلا أن بيانه يستلزم سرد عدد عظيم من الحوادث

التاريخية، ولا يكفي لهذا العمل عدة مجلدات، غير أني لا أريد أن أترك القارئ أمام

قضايا لا دليل عليها، ولذلك سآتي ببعض الحوادث أنقلها بلا انتقاء من بين ألوف

الحوادث التي يمكن سردها.

وأبدأ برواية واقعة من أظهر الأدلة في موضوعنا لأنها واقعة خيال اعتقدته جماعة

ضمت إلى صفوفها من الأفراد صنوفًا وأنواعًا ما بين جاهل غبي وعالِم ألمعي، رواها

عرضًا ربان السفينة جوليان فيليكس في كتابه الذي ألفه في مجاري مياه البحر، وسبق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت