فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 102

الفصل الرابع

جماعات الانتخاب

من الجماعات المختلفة العناصر جماعات الانتخاب، أعني المجامع التي تنتخب القائمين

ببعض وظائف معينة. ولما كان عملها محصورًا في دائرة محدودة وهو اختيار واحد

من بين أفراد معينين، لا يظهر فيها إلا بعض الصفات التي تقدم بيانها. فالذي يشاهد

عندها ضعف القدرة على التعقل، وفقدان ملكة النقد، وسرعة الغضب، والتصديق،

والسذاجة، ويرى في قراراتها أثر القواد وأثر العوامل التي مر ذكرها، أي التوكيد،

والتكرار، والنفوذ، والعدوى.

فلنبحث في طريقة إقناعها لأنَّا إذا عرفنا أنجع الوسائل في ذلك وضحت لنا روحها

تمام الوضوح.

أول صفة يجب أن تكون للمترشح هي النفوذ، ولا يقوم مقام النفوذ الذاتي إذا

فُقد إلا النفوذ المكتسب من الثروة، حتى إن الذكاء الفائق بل النبوغ ليسا من الوسائل

التي تؤدي إلى النجاح كثيرًا في هذا الباب.

ولا غنًى للمترشح عن النفوذ لأنه العدة الكبرى التي تمكنه من التسلط على النفوس

بدون أن يتناظر فيه، والسبب في كون العملة والصناع لا ينتخبون من ينوب عنهم من

صفوفهم هو أنه لا نفوذ عندهم لمن خرج من بينهم، وإذا اختاروا في النادر واحدًا من

طبقتهم، فإنما ذلك لكي يضربوا به أحد العظماء كمعلم كبير الشأن ممن لهم سطوة

على الناخب دائمًا، فينزع هذا إلى مخالفته متخيلًا أنه يصير بذلك سيدًا عليه لحظة من

الزمان.

إلا أن النفوذ وحده لا يضمن النجاح لصاحبه في الانتخاب؛ لأن الناخب يجب أن

يتملق ويمنَّى بنيل ما يصبو إليه من الرغبات، فينبغي أن يساق إليه من التملق ما

يعجزه حمله، وأن لا يحجم عن التكفل له بما يخرج عن حد المعقول من الوعود

والأماني، فإن كان عاملًا فكل ذم في معلمه قليل. أما المترشح المزاحم فإنه يجب أن

يدخل إليه من طريق التوكيد والتكرار والعدوى لإثبات أنه أخس الناس وأنه مجرم

أثام. ومن البديهي أنه لا محل لإقامة دليل ما على ذلك، فإن كان الخصم لا يعرف

روح الجماعات مال إلى تبرئة نفسه بالحجة والبرهان بدل أن يقابل التوكيد بالتوكيد،

ومن ثَم يفقد كل أمل في النجاح.

أما البرنامج الذي يحرره المترشح ببيان ما ينوي من الأعمال فينبغي أن لا يكون

صريحًا حتى لا يتخذه خصومه حجة عليه، لكن يجب أن يطيل في البرنامج الشفهي

ما استطاع، ولا خوف عليه من الوعد بإجراء أعظم الإصلاحات؛ فإن ذلك يؤثر حالًا في

نفوس الناخبين، وهو في حل منه آجلًا؛ إذ القاعدة المطردة أن الناخب لا يبحث أبدًا في

هل المنتخب جرى طبقًا لتصريحاته التي كانت السبب في انتخابه.

ومن هنا يتبين أن جميع عوامل الإقناع التي تقدم ذكرها هي في جماعات الانتخاب.

بقي علينا أن نذكر الألفاظ والجمل مما بينا تأثيره السحري في النفوس. الخطيب

الذي يعرف كيف يتصرف بها يمكنه أن يوجه الجماعة حيث يشاء، فلمثل(رأس

المال الدنس)و (أولئك المحتالين الأدنياء) و (العامل الجليل) و(جعل الأموال شائعة بين

الجميع)... وهكذا، لمثل هذه الألفاظ تأثير لا يزال كبيرًا، وإن كان الناس قد صاروا

يمجونها، فإذا كان المنتخب ممن أسعدهم الحظ ووفق لإيجاد صنعة جديدة خالية من

المعنى المحدود لتصيب بذلك أهواء النفوس المختلفة، كان نجاحه باهرًا وفوزه محتمًا.

والذي أوقد نار الثورة الدموية في إسبانيا سنة 1873 إنما هو لفظٌ من تلك الألفاظ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت