فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 102

السحرية ذات المعاني المضطربة التي يفهم منها كل واحد حسب ما يشتهي. ولقد

يحسن بنا إيراد كيف كان ذلك نقلًا عن أحد كتاب ذاك الحين، قال»: ظن المتطرفون

أن الجمهورية الجامعة للسلطة عبارة عن ملوكية خفية، فأرضاهم مجلس الأمة وقرر

بالإجماع أن تكون الجمهورية اتحادية من غير أن يعرف أحدهم معنى ما أقر عليه؛

لأن الصنيعة كانت قد أخذت بلب الناس أجمعين، فسكروا بخمرتها، وغالوا في طلاوتها،

وقالوا: لقد قامت في الأرض مملكة الفضيلة والسعادة «. وكان الجمهور يرى من المسبة

العظيمة أن خصمه لا يعترف له بنعت (الاتحادي) ، وكان بعض الناس يسلم على

بعض بقوله: (سلام على الجمهوري الاتحادي) . أما المعنى الذي كان يحضرهم من هذه

التسمية، فمنهم من كان يذهب إلى أنه عبارة عن إطلاق الأقاليم من كل قيد ليحكموا

أنفسهم باستقلال، ومنهم من كان يظن أن النظام الجديد يشبه نظام الولايات المتحدة

في أمريكا، وآخرون يرون أنه توزيع السلطة وتجزئة طريقة الحكم في البلاد، والبعض

كان يفهم أن كل سلطة قد بادت، وأن الوقت حان لتصفية حساب الهيئة الاجتماعية.

ونادى الاشتراكيون في برشلونة وفي الأندلس باستقلال كل قرية بنفسها، وذهبوا إلى

وجوب انتخاب عشرة آلاف نائب عن جميع البلاد الإسبانية، كلهم أحرار لا يحكمهم

غير أنفسهم، وقالوا بإلغاء الجيش والشرطة، ولم يمض إلا قليل حتى أخذت الثورة

تمتد في الأقاليم الجنوبية من مدينة إلى مدينة ومن قرية إلى أخرى، فكانت كل بلدة

فرغت من إعلان استقلالها تعمد إلى تخريب الأسلاك البرقية والسكك الحديدية لتقطع

المواصلة بينها وجيرانها ومدريد، ولم تبق نزلة حقيرة إلا نزعت إلى الاستقلال بنفسها،

وحل محل الاتحاد تمزُّق في الأقاليم علامته التوحش والنار والدماء، فأقيمت المذابح في

كل صقع ونادٍ.

أما تأثير المعقول في جماعات الانتخاب فلا يجهل ضعفه إلا الذين لم يطلعوا مرة

على ما يجري في اجتماعات الانتخابات؛ لأنها لا تحتوي على شيء غير تناول التوكيدات

المتناقضة والشتائم والمخازي، ولكنها مجردة عن كل حجة وبرهان. وإذا اتفق وساد

السكون لحظة فذلك لأن أحد الحاضرين ممن لا يقتنعون بالسهولة خرج وسط الجمع

ليلقي على المترشح سؤالًا يعجزه الجواب عنه، وذلك يلذ دائمًا للسامعين، إلا أن هذه

اللذة لا تدوم طويلًا لأن صوت السائل لا يلبث أن يغيب في صخب المعارضين. وإني ناقل

للقراء عن الجرائد اليومية شيئًا مما يجري في الاجتماعات العمومية ليكون مثلًا على

ما تقدم:(أقام بعضهم اجتماعًا وطلب من الحاضرين انتخاب الرئيس، فقامت القيامة

وأسرع الفوضويون إلى محل اللجنة ليستولوا عليه ووقف في وجههم الاشتراكيون،

فتلاكم الفريقان وانهالت الشتائم من مشاء وبائع ذمته وهكذا، وخرج أحد الحاضرين

وعينه مورَّمة، وانتهى الحال ببقاء اللجنة في مكانها وسط الهياج والاصطخاب، وتمت

الرئاسة للوطني فلان، وأخذ الاشتراكيون يقطعون عليه الكلام وهو يحمل عليهم حملة

منكرة، فقابلوه بالوغد، قاطع الطريق، الدنيء ... وهكذا من النعوت، فقابل الخطيب

ذلك بنظرية مقتضاها أن الاشتراكيين من البله أو النصابين).

وهذا مثل آخر:(نظم الحزب المنحاز لألمانيا مساء أمس في قاعة التجارة بشارع

كذا اجتماعًا كبيرًا استعدادًا لعيد عمال أول شهر مايو، وتقرر أن يكون الهدوء سائدًا

والسكون شاملًا، وقد طعن الوطني فلان على الاشتراكيين بأنهم أوغاد نصابون، وعليه

تشاتَم الخطباء والحضار وانتقلوا من المشاتمة إلى الملاكمة، فاشتركت الكراسي والموائد

في الخصام ... إلخ).

ولا يحسبن القراء أن هذا النوع من الخطابة خاص بفريق من الناخبين، وأنه

آت من درجتهم الاجتماعية، بل تلك صورة تتصف بها المناظرة في كل جمعية أيٍّا

كانت حتى التي تتألف من مستنيرين. وقد بينت أن الأفراد في الجماعات يتقاربون

إلى حد التساوي في ملكات العقل، ونحن نجد الدليل على ذلك في كل مكان. إليك ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت