زمن الجموع
يخال الناظر في أحوال هذا الكون أن الانقلابات العظيمة التي تتقدم تطور المدنية في الأمم
مثل سقوط الدولة الرومانية وقيام الدولة العربية ناشئة عن تطور سياسي عظيم كغارة
الأمم بعضها على بعض أو سقوط الأسر الحاكمة وهكذا، لكن بعد إنعام النظر في هذه
الحوادث يتبين أن وراء أسبابها الظاهرة في الغالب سببًا حقيقيٍّا هو التغير الكلي في أفكار
تلك الأمم، فليست التقلبات السياسية الحقيقية الكبرى هي التي تدهش الباحثين بعظمها
وعنفها، وإنما الانقلاب الصحيح الجدير بالاعتبار الذي يؤدي إلى تغيير حال الأمم المدنية
يحصل في الأفكار والتصورات، والمعتقدات والحوادث العظيمة الخالدة في بطون التواريخ
ليست إلا آثارًا ظاهرة لتغير خفي في أفكار الناس، وإذا كانت تلك الانقلابات العظيمة
نادرة الحدوث، فذلك راجع إلى أن أشد أخلاق الأمم رسوخًا عندها هو التراث الفكري الذي
ورثته عن آبائها.
وأحرج الأزمان في تطور الفكر الإنساني زماننا هذا، ولهذا التطور عاملان أصليان:
الأول: تهدم المعتقدات الدينية والسياسية والاجتماعية التي تتكون منها عناصر المدنية
الحاضرة.
والثاني: قيام أحوال جديدة ونشوء أفكار جديدة في الحياة تولدت كلها من الاكتشافات
العصرية العلمية والصناعية.
ولما كان تهدُّم الأفكار القديمة لم يتم فلم تزل قوتها، وكانت الأفكار التي ستحل
محلها في دور تكونها؛ كان الزمن الحاضر زمن تحول وفوضى.
ومن المتعسر أن نتكهن بما قد يتولد يومًا من الأيام من هذا الوقت المشوش، كما
أننا لا نعرف حتى الآن على أي الأفكار الأساسية والمبادئ الأولية يقوم بناء الأمم التي
تخلفنا. ولكن الذي نراه منذ الساعة أنه سيكون أمام تلك الأمم قوة عظيمة لا بد لها من
الاعتداد بها؛ لأنها أكبر قوة وجدت أريد بها قوة الجماعات، تلك القوة التي قامت حتى
الآن وحدها على أطلال الأفكار البالية التي كان الناس يعتقدونها حقائق وماتت وعاشت
بعد أن حطمت الثوراتُ المختلفة كل سلطة كانت تتحكم في الناس، وهي القوة التي يظهر
لنا أن مصيرها ابتلاع ما عداها في القريب العاجل. ألا ترى أن معتقداتنا القديمة أخذت
تهتز من وهن أساسها، وأن أساطين المجتمعات القديمة تتداعى وتتحطم، وأن سلطة
الجماعات هي وحدها التي لا يهددها طارئ، بل هي تعظم وتنمو، وعليه فالدور الذي
نحن قادمون عليه هو دور الجماعات لا محالة.
كان المؤثر في الحوادث التاريخية منذ قرن واحد هو السياسة التقليدية للدول
ومنازعات ملوكها، ولم يكن لرأي الجموع وزن يُذكر، بل لم يكن له قيمة أصلًا في الغالب.
أما الآن فالسياسة التقليدية هي التي أصبحت لا وزن لها ولا أثر للمنازعات الشخصية
بين الملوك، بل صارت الغلبة لصوت الجماعات، فهو الذي يرسم للملوك خطتهم وهو الذي
يجتهد الملوك في الإصغاء إليه، وأمسى مصير الأمم راجعًا إلى ما تحمله روح تلك الجماعات
لا إلى ما يراه أصحاب مشورة الأمراء.
فجلوس طبقات الأمم على عرش السياسة، أعني تطور تلك الطبقات حتى صارت
قادة لدولها، هو من أخص مميزات زمن التحول الذي نحن فيه، وليس حق الانتخاب
العام هو الدليل الصحيح على هذا التطور؛ لأن هذا الحق بقي ضعيف الأثر زمنًا طويلًا،